القصة القصيرة

عنقود عنب

كان وجهها خلف أوراق المطر ، يختمر سؤالا عتيقا … بريئا و بعدد السنوات العشر.تعمق في قلبها حسرة وضنكا وعناء…
” لـِمَ أقرانها في ثوب حياة مختلفة عنها تماما.. “؟؟ لـِم تغرق قدماها في الوحل ، في لُجَّةِ الماء الغاضب شتاء؟؟ وتنتفخ أصابعـُها من شدة البرد ، تعجز معها عن مسايرة الكتابة ، بينما زميلتها في المقعد المجاور ، بأنامل َ رقيقة ، تهندس بياض الورق بالحروف و تفوح منها رائحة النعيم والدفء والهناء؟؟
لماذا يجب عليها العمل نهاية السنة الدراسية ، كل عطلة صيف بينما ” علياء” صديقتها يـُطلب ُ منها تحديد وجهة السفر إلى أي بقعة من أرض الله الواسعة…؟ لو فقط كانت تعرف لماذا…
كانت” سـُلـَيـْمـَى “تتلمس وجهها في مرآتها، أكثرَ من مرة في اليوم …تحاول أن تقبض َ على سبب المرارة في عينيها… أن تقبض على شيء ناقص سـَبـَّبَ آلامها النفسية العميقة…ليتها تملك سر الجملة السحريةّ ” مـرآتي … مرآتـي ما السبب ؟ من السبب في قتامة الأيام و في احتباس مطر القدر..؟
عند ضاحية المدينة وهي تنتظر وصول الحافلة في اتجاه البيت ..بعد عمل مـُتعب طوال اليوم ، طافت بمخيلتها جملة من ذكريات ليست بالبعيدة ، حين كانت تمر من بين صناديق العنب والفواكه وكل ثمرات الأرض ، وهي باتجاه شراء بعض مستلزمات البيت الضرورية…تأخذها الرائحة بعيدا إلى زوايا أحلامها الصغيرة …فتعانق ” ألـِيـسْ ” في بلاد العجائب…حيث لا جرح…حيث لا ضجة صوت ينهرها عدم الاقتراب من الفواكه ولمسها بيديها…حيث لا حَـضـْرَ بيع ولا شراء…
كل شيء مباح ” اقطفوا ما شئتم من ثمار الأرض الزكية يا أطفال…” لافـتـة كبيرة كتبت بالخط العريض ، على بوابة المدينة العجيبة ، فاتحة دخول للأطفال كل الأطفال ، و ” سليمى ” تترنح راقصة ، وسلتها الذهبية وعبق الياسمين وهناك في الأفق عصفورة تملأ الفضاء حبورا وغناء…
تمكث ُ في رياحين الحياة ،، ثواني ؟ لحظات ؟ ساعات؟
ثم يسحبها قهرا صوت ُ أمها البعيد جدا في أذنيها ” أسرعي يا سـُلـَيـْمى ” فتنزل من علياء الرقة …من غابات السرو والصفصاف والسنديان ، إلى واقع الحال والحرمان وصوت البائع ينهرها بالإبتعاد.
كان سؤالها الصغير يلازمها كظلها – دون أن تجرؤ على مفاتحة أمها – لماذا لا نحقق أمانينا نحن البسطاء من بني البشر ؟..
تروي العين حسرة زمن عنيد. وتخـْفي في جوانحها الطرية “أماني بريئة “: الحصول على عنقود عنب ” …
تخفي ذلك والجوانح خافقة للإنعتاق..
تأخرت الحافلة كثيرا…فقررت ” سليمى ” مواصلة الطريق مشيا تغازل ذكرياتها ، بالتحدي ، بالإصرارأكثر على الحياة ، وتدندن بترانيم من ياسمينة السندباد…فربما يحملها الموج يوما إلى أفق العطاء.
حين…
حين رأته..هناك…تحت شجرة تصل ظلالها أعالي السماء … إنه ..هو…
تعتريها حمرة شديدة. تـُرجف خطاها. لكنها بقوة خفية تجد نفسها عنده…
أتحضنه؟ تلثمه بشفتيها العطشى للقاء..؟ أترويه حكاية اختمار السؤال…؟ هي الآن قادرة على امتلاكه…دريهماتها قليلة ، لكنها تستطيع ..تستطيع ذلك…
اقتربت منه أكثر ..غـَيبت كل شيء..وأسقطت عليه منديلها الصغير..والتقطته ..بسرعة وأطلقت العنان لساقيها في اتجاه الريح..
توقفي..توقفي عندك أيتها اللئيمة…لا تتحركي…ضعي ما في يديك واهبطي أرضا…
كان الصوت مدويا …
تبعته أصوات ضاربة في السب والشتم والتأسف لما يحدث من تجاوزات من عديمي التربية والأخلاق…
أحست بأنها تختنق …ترتعد …تنزلق من انحدارات شاهقة نحو الأسفل…
شدها الصوت ويدان خشنتان من أسفل الرقبة وأسقطاها أرضا.
” ضعي المنديل وحافظة النقود أيتها السارقة…ألا تخجلين…أمثالك…قي بيوتهن …و …و ..
تجمعت الأصوات المناصرة لصوت الشرطي وتحلقت حولها ، فحجبت عنها الرؤية..
سقط المنديل ، فتشتت حبات عنقود العنب…اتخذت كل أماكن الدائرة ، وصارت ماء تحت أرجل المتحلقين حولها …
تسربت من بينهم ” سليمى..” وحسراتهم تتبعها…” لوقالت لكنا…” القناعة ..” الجوع..” ..
كانت تمشي فارغة من كل شيء …تناجي سرا مرآتها من خلال دمعة طفرت مساندة:
“مرآتي …مرآتي…لم مطر القدر احتباس في القـلـب..؟

السابق
ربيع ٌ في المزاد العلني
التالي
لطيبون في هذا الزمان

اترك تعليقاً