القصة القصيرة

عود حنطة

استلقى على ظهره لما بعد ساعات القيلولة بزمن ليس بالقليل ، واضعاً رأسه بين كفيه ، نظره معلقاً فى سقف السماء البراح من حوله …
لا يمنعه عن رؤية صفحة كروية الكون الصافية كاملةً, سوى تشابك الأوراق العريضة لشجرة الجميز العتيقة دائمة الخضرة المستلقى تحتها .
ــ الأفكار تقذفه من موضوع لآخر رغماً عنه …
ــ فى أثناء نوبة استغراق طويلة لذكريات عابرة مرت به ذات يوم , لمح (طائراً) من الجوارح يحوم حول بقايا (جيفة) كانت مدلاة بأحد فروع الشجرة الرابض تحتها .
لم يلحظ من قبل هذه (الجيفة) كسائر المارقين بالغدو والرواح ، من تحت شجرة الجميز العتيقة ، وهم كُثر …
ــ ثبث مقلتيه على اللوحة كما هى …
ظل يرقب المشهد بأكمله.. وينتظر ماذا سوف يحدث ..
ــ (الطائر) يضرب بجناحيه فى نوبات متتالية ، ما بين السماء والأرض ، هبوطاً وصعوداً ، وفى كل اتجاه .. لايعبأ بالمارين من تحت الشجرة فى غدوهم ورواحهم ، ولا بالضوضاء التى يحدثونها ، ولا بالمستلقى على ظهره كالحارس اللاهى وقت استلامه للراتب الشهرى الذى لا يسد جوع وصريخ أبنائه ، ولا يكفِ أياماً معدودة من الشهر .
ــ (الجيفة) تبدو أنها فى مكانها منذ زمن بعيد ، وشعاع قرص الشمس يتسارع سيره نحو المغيب ، وشجرة الجميزعلى شموخها دوماً واقفة فى مكانها من قبل ميلاده .. ظلها يترامى بعيداً عن جذعها الضخم العارى .
ــ (الطائر) يقترب أكثر فأكثر ، و(الجيفة) كما هى مدلاة ولاتتحرك .. ساكنة فى مكانها كسكون الليل البهيم على ديار القرية !
ــ (الطائر) يحط على الفرع المجاور لـ (لجيفة) المدلاة .. يطلق نظره الحاد فى اتجاهات عديدة .. يتأكد من استتباب حالة الموات المطبق بمحيط المكان ، بالرغم من الضجيج المنتشر فى كل مكان , وكأنه (شخاليل) مثبتة بخلخال يلف سيقان امرأة لعوب تجوب الدروب .. تخرج من دار لتدخل الأخرى منذ ما استدار نهداها فى صدرها !
ــ بسرعة البرق يحدد (الطائر) الجارح المسافة بينه وبين (الجيفة) المدلاة .
ــ كالصاعقة ينقض مشهراً مخالبه الفتاكة .. يقبض عليها جيداً ، ثم يطلق للريح جناحيه .. يسابق عجلة الزمن وقوة الجاذبية الأرضية صعوداً.
ــ (الطائر) يطير بعيداً .. يتوارى عن كل الطيور من فصيلته .. وكل العيون البصاصة !
يلفه السحاب القانى البعيد ، وهو فى اتجاه قرص الشمس الموشك على المغيب ، والذى ما برح طيفه يخيّم على الحقول والعقول القاحلة.
= يعتدل (المستلقى) على ظهره منذ يوم مولده من رقدته .. يجلس القرفصاء .. واضعاً إحدى كفيه على الأخرى .. ونظره سارح دوماً فى أشياء بعيدة لا تأتى البته بشىء ذى مغزى .. يحول نظره المتعب عن صفحة السماء المقبلة على الدخول فى السواد الدامس .. لتستوى سمرة الأرض البوار بما حولها ، وشفتاه عالق بهما بعض الهمهمات وعبارات اللوم والعتاب ، والسؤال الوحيد ينخر لبابة عقله :
ــ أعجزت عن صُنع ما صنعه هذا (الطائر) فى كسب عيشك؟
………………………………………………………………………………………
ــ أعَياه سرد الكثير من الحجج الواهية.. يعود مرغماً إلى شروده المليم ..
فجأة ..
يطفو فوق سطح نفسه العصية جواب ثابت .. يحادثه سراً :
ــ (مالك أنتَ وهذا الطائر الجارح ؟
إنكَ لست من أكلة اللحوم النيئة ، كالجيف المدلاة على فروع الشجر العتيقة !) .
ــ هذه مقارنة ظالمة …
يلوك الجملة الأخيرة بين ضروسه الواهية مرات عديدة ، كطفل غرير يعَوده أبواه وكل المحيطين به على نطق حروف الهجاء سليمة …
ــ يقف كما الديدبان .. كمن يقف فى صف صرف (فرق) سعر محصول القطن طويل التيلة كان ورده ذات يوم إلى {متعهد} قاص قلبه .
ــ ينطق بعد أمد طويل :
ــ لابد من سبيل !!!
ــ لابد أن نسير للموكب الكبير!!!
(كقول الشاعر محمود حسن إسماعيل) .
= يتناول بأصابع مرتعشة بقايا ساق عود حنطة يابس ، ملقى وسط كومة من التراب العاقر .. الجذر فاتته ماكينة (درس) القمح منذ سنين .
ــ تستقر بقايا ساق (عود الحنطة) بين ثلاثة من أصابع يده اليمنى .. (ينكش) به وجه الأرض القاحلة من حوله .
الخطوط السطحية التى أحدثها (عود الحنطة) بقشرة الأرض ، تنتقل إلى وجهه العابس أكثر غوراً .
ــ من بعدها يحاول جاهداً أن ينفض عن بدنه الضخم كم التراخى واللامبالاة التى ورثها عن آبائه منذ ميلاده ، وكذا بقايا التراب العالق بذهنه المرتج بكلتا يديه الواهيتين .
يغلظ على يده تلك ويعتصره أمر جلل .. يرفعه لعنان السماء عله يجد إجابة شافية !!
أبداً لن تأتيه !!!
كيف لنصف مساحات الأراضى الزراعية تزرع بأقوات الماشية منفردة ، والنصف الآخر يشترك فيه الانسان والمبانى والحدائق وملاعب الجولف ؟!
ــ لا يقدر ــ
يعاود تكرار محو ما خطه على وجه الأرض ، ويعود إلى نفسه المشغولة فى تدبيج ما اعتاد تدبيجه من زيف كى يكسب قوت يومه .
ــ لا يطاوعه خياله هذه المرة .
ــ يعود لنفس السؤال الذى داهمه رغماً عنه …
ــ ما السبيل؟
عاود مراجعة السؤال فى عقله عدة مرات .
ــ تحور السؤال مع تكراره إلى شىء مختلف!
السبيل؟ السبيل؟ السبيل؟
شده التكرار بعيداً عن لب الموضوع …
ــ لابد من الوصول إلى السبيل ..
ــ لابد الذهاب إلى سبيل (أبو ترك) .
= ترتسم على شفتيه المتكلستين ابتسامة عريضة باهتة , ولكنها كانت مقتضبة إلى حد بعيد!
الابتسامة الباهتة تعيده إلى نهاية شهور دراسته الإلزامية (الإعدادية) عندما كان يخرج من (المقعد) الوحيد بدار والده لأداء صلاة الفجر جماعة بمسجد القرية كعادة كل الطلاب ، عندما يقترب موعد امتحانات نهاية العام الدراسى .
ثم يسير من بعد أداء صلاة الفجر (ببر الزراعية) بين الحقول والرياض عكس شروق الشمس ، ونسمات الفجر الندية تداعب رحابة صدره ، من بعد ما (زك) بعادم ثانى أكسيد الكربون المتصاعد من (لمبة الجاز) نمرة خمسة طوال ساعات الليل ، و(دغششة) بصره من خفوت ضوئها المضمحل كلما نقص الكيروسين فيها ، وبين يديه كتاب (النصوص والقراءة) أو (أى كتاب آخر) يطالعه دون الحاجة للكتابة .. يطالع ويحفظ النصوص والدروس المقررة المملاة من وزارة التربية والتعليم ، فى دورة سير حرة كاملة الأركان .
تبدأ الدورة من عند رأس الكوبرى الذى ينصف ديار القرية إلى شطرين ، بجوار مسرى (الترعة) التى تحمل لقريته والقرى المجاورة ماء المحاياة ، وحتى مصرب (البُجمة) ناحية الغرب الذى يبعد عن كومة ديار القرية بمسافة تقترب من اثنين كيلومتراً .. ثم يتجه بالسير على (مسقة البجمة) فى الاتجاه القبلى بمسافة ما تقترب من الكيلومتر ، ومنها إلى سكة (المشروع) شرقاً حتى
طريق (الجسر) ومنه إلى نقطة الانطلاق بالجهة الشمالية حيث كومة ديار القرية اللاهى أهلها عن صلب الحقيقة رغماً عنهم .
ــ فى منتصف المسافة بين مصرب (البجمة) وطريق (الجسر) يسترجع ذكرياته
حول (سبيل أبوترك) ومقامه الواقع على حافة الأرض الزراعية بسكة (المشروع) وكيف كانت نسوة القرية والقرى المجاورة اللائى يردن {الحَبَل} يتجمعن حول هذا المقام ، الذى لا يعلو ارتفاعه عن سطح الأرض بمسافة متر ، ولايتعدى قطره عن مثلها ، ويتوسط تلك المساحة بقايا جذع (شجرة) عتيقة مقطوعة عن سطح الأرض بمنشار حام بما يقترب من ثلاثة ارباع المتر .. لا يعرف أحد من الأحياء من الذى قطع هذه الشجرة وما هو نوعها , ولقرون عديدة ماضية .
العجيب فى الأمر بأن هذا الجذع تنبت بمحيطه أوراق مختلفة أشكالها دائمة الخضرة طوال العام دون فروع أو أغصان ، وإذا حاول أحد أن ينقر هذا الجذع بآلة حادة يسيل منه سائل بلون الدم المخلوط باللبن الشاهى البياض .
= تتجمع النسوة من قبل آذان فجر أيام الثلاثاء من كل أسبوع ، ويشعلن الشموع ويقدمن النذور بسخاء ، ويتمسحن بالهيكل الخشبى المضروب حول المقام ، ثم يحتسون ما فى وسعهم من مياه (الطرمبة) المزروعة على مقربة من جذع الشجرة المخضر ، ويختتمن جولتهن بأداء ركعتين للطاهرات منهن بالمصلية المجاورة للمقام قبل بزوغ الشمس .
= فى حركة مفاجأة يعود من تطوافه الطويل , ويدفع بكلتا قدميه ، ويديه نوبات الانكسار والانحدار التى تملكته , واستحمكت بطيات ثيابه المهلهلة من زمن طويل .
ــ يشد (الرجل) من أبراج السماوات السبع هيكل برجه الناحس المدفون وسط غابة من التواكل الممقوت ، ورسوخ عادات وتقاليد بداخله تفلتت منذ زمن الجاهلية الأولى ، ووصلت إليه بغباء المرحلة ومن فيها !
ــ يتدثر بلفائف قماش سميك .. طبقة من فوق طبقة كالتى كان يفترشها فى سباته العقيم .. وكانت تحتضنه ويحتضنها ليال وأيام طوال ، ويرضعها مزقات باردة من عرقه الفاسد ، وخليط يخرج من شقوق الأرض المكونة لجينات هيكله الطينى ، وومضات حالمة من ثنايا صدره المتطلع ليتقلد درجات نورانية عليا عصيرها الصبر ، وشهدها الرضا بالقليل ، وعزها رفعة شأن أهله ، ومنتهاها النهوض بتقدم الأوطان ، والاكتفاء الذاتى من كد يديه .
ــ تتساقط قطرات الندى رقراقة كحبات الرمال الناعمة فى محيط المكان .
تغسل بتؤدة أعشاش العصافير المهجورة فوق غصون الأشجار العتيقة .
ينهمر فوق أسطح الديار الخاوية على عروشها زخات من تلك القطرات الندية ، تمتلئ الأسطح الجرداء بنوايا الخير القادم من بعيد ، كالماء العذب السلسبيل .
ــ تشرئب بين حنايا (الرجل) ريح رطبة لا يعرف مبعثها .. تسرى من ناحية الشرق للغرب على غير المعتاد .. تلفها كُرات من الثلج ممزوجة باللون القرمزى سرعان ما تتحول إلى اللون الأخضر .. تزمجر الريح حيناً فى أم رأسه ، وأحياناً أخرى تخبو الدَّمْدَمَة ما بين دروب الصحراء الكبرى .. تسرى بطيئة وهى طامعة فيما بين جنبيه من ثروات أرضه وسمائه ، ثم تعود من حيث أتت تحمل (زعابيب) ما أتت به خالية الوفاض .. منكسة الهامة .
= كان الرجل حينها قد تخطى الخمسة والأربعين من عمره ، وأنهكته الأحداث الجارية ، وتركت فى أحجار الجرانيت السمراء بطول البلاد وعرضها آثارها النافذة ، ولكن قلبه لم يزل قلب حمل وديع ، وسواعده دائماً ما كانت فتية بالرغم من انغماسها لما بعد المرفقين فى مياه عكرة تجرى ناحية الغرب احياناً والشرق احياناً أخرى .
.. لا تتوقف يوما عن المسير ..
غير أنها لم تصل إلى المصب رغم كثرة الخطى …
ــ مع أنه كان يحمل فوق ظهره عذاباته الخاصة ، وعذابات أناس كثيرين .. ودائماً ما كان يلحقها بصوان ذاته وصوان بيته .. يعتصرها فى قيامه ومنامه ، وفى آخر الليل يعود ليجترها ثانية على مهل ، كالجمل البارك على صلب الحقيقة القاطعة ، ويسكنها شغاف عقله الواعى .. ويغيب طويلاً يسائل ذاته الملهمة :
ما السبيل؟
أين طريق النجاة ؟
ــ فى نوبة إستغراق أخرى يتلقاه رجل عجوز .. جسده مدفون فى الرمال الناعمة حتى إبطيه منذ الأسرة الأولى .. شعيرات لحيته البيضاء منثورة بين الحجارة الصماء المكومة عن قرب من شاطئ الترعة التى كانت محببه له بالسير بجانبها منذ الصغر .. تمتص تلك الشعيرات تباريح الناظر إليها .
كان الرجل العجوز يداه مفرودتان على إطلاقهما ، وممسكتان بشئ يشبه النبوت الممصوص إلى حد لبابته العصية .
ــ ينادى بصوت مشروخ ــ
يا من تتساءلون عن نقاط الخلاص ، وتتساءلون عن دروب السبيل ..
عليكم بقتل أنفسكم وكل الوالدات ، حتى يأتين بخيرة المواليد الصناديد .. اقتلوهم عند هبوب الرياح الهوجاء عند مقام الشيخ (أبو ترك) ثم اقلعوا جذور الوهن من الصدور الخاوية ، والشفاه والأيدى المرتعشة ، ثم ارتحلوا من نقطة (الطمر)* فى الاتجاه المعاكس لدوران الرأس فى كوكب الأرض …
(هذا .. القول الفصل ، وبداية الوصول إلى خط المنتهى).
= قبل أن يرفع طرف الغطاء المضروب فوق رأسه المدفونة بين الوسادات المعروقة ، تأتيه الإجابة قاطعة فى صُرة واضحة المعالم .
ــ لابد من تصحيح ما حملته الجينات المتوارثة من عبث ممقوت .
ــ لابد من الوصول إلى نقطة المنتهى .
ــ لابد أن يجتمع السبيلان فى صعيد واحد .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الطمر : الإغراق .
= تتفلت من بين جوانحه صورة خارطة الوطن المكبلة بالقيود ، وما يجب أن
يكون عليها بالحضارات الأولى .
ــ تنتشر الصورة بكل الأرجاء ــ
تتغلل فى الصحارى الممتدة بطول الوطن بألوانها المتدرجة ، وتتوقف عند الكتل الأسمنتية فى نسقها المهيض التى تقضى على اللون الأخضر ، وتمحو طمى النيل المتراكم على مر القرون .
فى لحظة ما بين النوم واليقظة .. تداعب الأيادى الحانية الطفل اليتيم فى حجر أمه ، والمرأة التى مات عنها زوجها تمتد إليها صنوف العطاء بالليل والنهار .
ــ اليوم جاء ــ
ــ الحق جاء.. من بعد الستين .. جاء ..
وغردت البلابل بعيداً عن هيكل مقام الشيخ (أبوترك) القابع على حافة حقول شبه خضراء .. وتمنعت النسوة عن الذهاب حتى ما بعد شروق الشمس للمقام المشئوم .. سقطت الأقنعة .. لم يخشين نفور بعولتهن فى وضح النهار .. أحرقن ذؤبات بقايا الشموع المتكومة حول المقام منذ أمد طويل داخل هيكله .. تعطرن بماء الوضوء فى ديارهن بدلاً عن مياه (طرمبة سبيل أبو ترك) شربن الجرأة حتى الثمالة .. رجعن يحملن البشرى إلى قلوب أزواجهن المتأزمة .. سُرت الحماوات سراًّ وجهراً ، وجرت بين أيديهن خمائر الغبطة من بعد غياب .
ــ لاح فى الافق البعيد نجم غيور معلوم الهوية .
فى حين كواعب اللصوص السمان من أبناء جلدته القدامى والمحدثين ، تهاوت مع رياح الخماسين الموسمية .
فجأة ..
أحس بحفيف الهواء يكشف عن ساقه التى كانت معطوبة تحت (اللحاف) فإذا بها سليمة معافاة , ووجد نفسه يضرب بيد من حديد كل الهوام السابح من حوله ، ويصطاد اللصوص السمان فى مكامنهم .. ويرتقب هبوب الرياح المحملة بعبير الحياة ، وصرخات المواليد الجدد ليرضعهم من ثدى أمه العفى .
وانتصب عود الحنطة بين أنامله ، المملوءة سنبلته عن آخرها بأقوات كل الأفواه بإذن الله .

السابق
العملية
التالي
فصـــام

اترك تعليقاً