القصة القصيرة

عَوْدٌ

ولجت قدماه جوف القرية..
سرى في وريد الصّمت أنين الخواء.. جالت عيناه بين الصّدر والنّحر.. لا نبض حياة يرقّ له الجفن.
تلمّظ صقيع السّؤال..
تهدّج صوته وهو يرنو إلى غيمة تحطّ على المئذنة الوحيدة :” أتراها لا تزال تُعانق مواعيد الصّلاة..؟”
ضجّ سمعه بتراتيل الصّغار يحاكون صوتَ الشّيخ في حُجْرة الكتّاب الضّيّقة. غصّت خياشيمه بعبق الألواح. امتدّت يده إلى قدميه تهدهدهما وقد تذكّرتا لسعات فلقة اقتنصتهما ذات شغب غرّ في حضرة لوح القرآن..
هجمت عليه كلاكل الحنين..
كاد جسده يتهاوى وعيناه تتسمّران على بقايا باب طالما آواه وأسرتَه وذبّ عنهم غوائل اللّيالي..
“ما حلّ بك يا دار..؟”
استند إلى جدار قريب. غرزت في ظهره حجارة، قد تمرّدت على استواء الصّفّ، أنيابها.. كزّ على أسنانه. سحب نفسه من براثنها. التفت إليها معاتبا فارتجّ بصره وتلك اللّافتة البالية تؤرجحها رياح خفيفة تراوده :” هنا حلوى السّلاطين”.
نسي الحجارة الجائرة وتاه خلف سلاطين كانوا يتزاحمون على هذا الدّكّان يسألون العمّ عليًّا حلواهم، فيضجّ بصياحاتهم، ينهر صوتُه يدا تمتدّ خلسة إلى الأطباق، تلاحق قبضتُه الحديديّة أسمالَ أحدهم تجرّها خطاه التّائقة إلى الفوز بالحلوى وثمنها، وتمنح لذاك المادّ نقودَه بصمت عسلَ الحلوى وشهدَ الدّعاء..
تلمّظ حلاوة الذّكرى فانفرجت شفتاه عن ابتسامة.
انتبه إلى خطى تتسمّر خلفه.
نوى قفاه وتفرّس في وجه ثُبّت بصره عليه..
نخرت العينان جسده.. سكنته همسات “شابّ طويل كشجرة السّرو، حليق الذّقن كرخام منزل العمدة، مصفَّفٌ شعرُه كأنّه يستعدّ لاستقبال عروسه.. وربطة العنق.. أتراه بها لا يختنق..؟ كساؤه فاخر لا يشبه السّراويل الفضفاضة التي يرتديها أقرانه في القرية.. لابدّ أنّه من أعيان المدينة..”
عجّ ذهنه بكلّ هذه الكلمات التي خالَها تلتهبُ مجامرَ في نفس الفتى..
تناهى إليه صوت رصين يسأله :” أأنت الطّبيب الجديد؟”
ماد تحته أديم الكلمات.. ساءله:” كيف عرفت يا رجل؟”
أجابه وهالة البدر على وجهه ترتسم:” هي العولمة ونوافذُها التي لا تُغلَق في وجوه الزّوّار.. قرأنا الخبر في صفحة أخبار قريتنا.”
تثاقلت فِكَرُه وهو يفكّك مفاصل قول الفتى المتلظّية بشرته بلهيب الشّمس “العولمة.. نوافذها.. صفحة أخبار قريتنا..”
رفع بصره يتفحّص الفتى ووجوه القرية.. ربّاه أنّى يجتمعان..؟
قاطع ذهوله سؤال :” ألست صالح بن العمّ بشير سقّائنا القديم؟”
انتفض سائلا :” متى أدركت القرية خيوط العولمة..؟”
أجاب الفتى وعيناه تغرقان في حجب النّشوة:” منذ أن عاد عبد الوهّاب بن العم عليّ الحلوانيّ من أوروبّا وبعث مشروع الطبّ البديل فاستقطب جلالا بن العم مصباح حارس القرية مهندسا فلاحيّا يُشرف على تربية النّحل، وجميلةَ ابنة العمّ عمّار الاسكافيّ عَوْنًا صحيّا لمراقبة الجودة، وعبّودا بن الخالة مريم صاحبة الفرن الوحيد في قريتنا طبيبا مختصّة في تركيب الأدوية وصُنعها معتمدا العسلَ..”
_هنا.. في ذي القرية..؟ أين..؟ لا أرى غير أشباح الخواء..
_هناك..خلف المئذنة القديمة..؟
فغر الطّبيبُ صالح فاه مذهولا..
_القديمة؟؟؟
أمسك الفتى بيد الوافد المنبجس من ظلال القرية تائها في نورها.. قاده متصعّدا الطّرق الحجريّة.
توقّف به خلف المسجد القديم المتلفلف على مجلّدات من الحنين..
تراءت له مدينة تعجّ بالحركة.. أسواق ترفل في الزّخم، واجهات بلّوريّة، لافتات إشهاريّة، موسيقى من خلف المحيط تتناهى إليه هامسة وأخرى صادحة، حديقة غنّاء يتراكض فيها الصّبية، والنّساء يجالسن أزواجهنّ في فيء الشّجر، ونادل يحوم حولهم كالنّحلة، وغير بعيد امتدّت رقعة من البياض تحمل لافتة المشروع المذكور..
“غريبة عنّي ذي المدينة ..” صاحت الذّاكرة .
فرّت قدماه نحو بقايا منزل والده..
رسم صورة تقاطع على حفرة صغيرة في الأديم الحجريّ جعلتها قطرات متسلّلة من قربة والده زمنًا لها سكنَا..
قال :” هنا سأشيّد عيادتي..”.

السابق
هداب الطير
التالي
مواء

اترك تعليقاً