القصة القصيرة

عِنْدَمَا يَهْدَأُ عُنفُ النَّهْر

عِنْدَمَا يَهْدَأُ عُنفُ النَّهْر… وتَصْمُتُ الطيُورُ!!
يتنقل في أطراف المكان يُجوبه ذهابًا وإيابًا، يلفه بُرنسٌ وَبَريٌّ يتلفعُه، لايُبارحُ مدينة البرواقية مسْقط رأسِه، يلتزم الصَّمت فيلزمه الهُدوء ويستغرق في التفكير، ولا ندْرِي فِيم يُفكر؟ ولماذا يَعتزلُ الناس؟ تهتزُّ شفته السُّفلى وترتجِفُ، ترْهَقُهُ الدُّموع بغصَّة من المرارةِ، يلتفتُ وكأنه يُريدُ أن يهْرُبَ من حاضرِه، يستوِي جَالساً ويُرِيدُك أن تسْمعَه، يَنضُو على خيَاله ذِكْرى ماتزال تسْكنهُ كالشبَح، زخمًا من أمْشَاج وخيُوطٍ من دُخَّان، يُحدِّثك وكأنه وافدٌ على الحيَاة من جَديد، يتنهَدُ من أعْماق قلبه، ينبَلجُ من عيْنيهِ المُضيئتيْن وميضٌ، ولِسُؤالِ الْقلبِ أجْوِبَةُ تتناثرُ كاللّجَيْن، يُحاولُ لملمتها في سيَّاق مُتصلٍ، يقتاتُ عن الذكريَاتِ كنبضِ اشتيَّاق ولا يجدُ من يبُوح لهم بما يَعتلجُ في النفس، يصْرُخ : اسمعوني رجاءً.. لاتسألوني..لاتقاطعُوني..أريدُ أن أسمعكم قصَّتي لترْوى للأجْيَال..كيف وقعتُ في الأسر؟وبصوت خفيض يُشبه الهمس يقول:

1-كنتُ في مهمَّة مع المجاهد عمر بن عزوز صرصار، رحلنا من جبال سور الْغزلان قاصِدين جبال الصبّاح، وصلنا الصبحَ إلى مقطع بني معلوم{خمس أجوامع} اختفينا وسط الزَّرع بعد أن وجدنا أنفسنا مُحاصرين، العساكر يسدُّون علينا جميع المنافذ، المروحيات تحُوم على مستوى منخفض ترصُدنا، نُحاول اخترَاق الطوق، نسلك شِعابا وأوديّة، نسقط في كمين، يدمدم الرصاص فوق رؤوسنا ويتهاطل،المعركة بدأت صاخبة ونرانها ملتهبة، ينفلت صاحبي من بين أيديهم، أبقى وحدي وجْهًا لوَجْه مع أفرادِ العدوِّ المُدجَّج بعَصْفِ الهَوْل، الرصاص الْجَائع يخترقَ جَسَدي، تشلُّ رصاصة طائشة ذِراعِي، تتوغلّ أخرى في صدْري، أترنَّحُ ثم أسقط على الأرض فَاقدَا الوَعيَ.. وقعتُ أسيرًا تدُوسُني الأقدام{5-07- 1959 } سألتُ رَبِي الثبات، تخَاذل اللسَانُ وصَارَ الخَوْفُ صدِيقي، وللتو نقلتُ على مَتن مِروحيَّة إلى ثكنة بسُور الغزلان، بقيت تحْت الْمُعالجة المُكثفة أشهرٌ ثلاثة، لا أستطيعُ أن اصِفَ بشاعة أذناب الاستعْمار، ووحشيَّة الفرنسيِّين الفجَّار، وأساليب استنطاقهم الرَّهيبة، كانوا وحُوشًا ضاريَّة مُتعَطشين لدمَاء المُجاهدين، يُمزِّقون لحْمي، والكلابُ تنهشنِي ..تُسلط عليَّ الصوَاعِق الكهرَبَائِيَّة، أُغَطَّسُ في الماءٍ الملوَّث حتى أفقدَ الوعي، كنتُ كتلة من الصبر وأنا أتلقى صُنوف الإذلالِ، أحْشرُ في زنزانة ضيِّقة محْشوّةٍ بالأجْساد المُنهَكة، أنامُ على بطانيَّة قذِرَة فيها رائِحَة الدِّماء والبَراز، ورُعب الجُرذان والْحَشرات تلسَعُني، ولا أدري على أيِّ جنب أستقرُّ، أخرُج والأصفادُ في يَدي، يحُثني السجَّان على السير بركلات ولكماتٍ من الخلف وعلى الرَّأس، عُيون سَريعَة تلمعُ كالبْرقِ تلاحِقني، أدْركتُ أني أدنُو من الموت، والموْتُ يطلبُني، يدفعُني عَسْكرِي بقوَّة إلى الأمَام وأنا حَافِي القدمَيْن، مُبعثرَ الشَّعر، أتلوَى على الأرضِ مُترنحًا، وأرحَّلُ إلى سجن عسكري ب{كامورة} قرب قصر البخاري، مكثت ثلاثة أشهر كلها عذاب وأعمال شاقة، في شهر رمضان تسعة عشرَة خلتْ منه {19 -مارس 1959} فكرت في الهَرب، ورحت أبحَثُ عن منافذ لكن كيْفَ أهربُ من هذا الجَّحِيم والأغلالُ تُلازِمُني؟ لاأحدَ بقادرٍ على الصمود أمام عَوَاتِي الريَّاح المُزمْجرة، وهذا الْهَول من العذاب، كنتُ أتشهَى الْمَوتَ أتعَجَّلها، كانوا يتلذَّذون بقبح أفعالهم ولا يلِينُون.

2- في ليلة باردَة اختفى فيها القمر وغابَتِ النجُوم، وسارتْ السُّحبُ أردية تُغطي بعْضها {19 -3-1959} خرَجتُ من حِصَّة الأعمال الشاقة مُثخنًا بالجرَاح، ضمن مجموعة من المجاهدين، أخفي مرارة ألمي، وذِراعي معطوبا ومَلابسي مُتهرئة تتبَعُني، أسمْالاً مُخضَّبة بالدِّماء ولعَابُ الكلاب، أتوسَّل جُرعة مَاءٍ لأرْوِي ظمَئي وما ظفِرتُ إلا بالخيْبةِ، لمحتُ على بُعدِ أذرُع بلوعة تفضي إلى خندق عميق لصرف القاذورات. ففكرتُ..وقدَّرتُ.. ثم أقدمْتُ على فِعلٍ رَهيبٍ يُشبهُ الانتحار، عِندمَا رمَيتُ بنفسي داخل الخندق فغمرتني المياه القذرة، مشيت ثم زحفتُ وأنا كَسِيحِ الذِرَاع كالصُّبح أتنفسُ بدُون رُوح، كِدْتُ أن اختنقَ والروائح مُقزِّزة، لم استطعْ أن اكتم حُزني ودُموعِي، وقد رُفع آذان المغرب وأنا صائم، تمكنتُ بجُهْدٍ جهيدٍ من الخرُوج من عُنق الخندق إلى فضاءٍ أرحب، وجدتُ السَّماء مُنحنيَّة على أدِيم الأرض كأنها تُقبِّلها، الضباب كثيفٌ يَدُرُّ دُخَانًا، الهلعُ يكبرُ تحْتَ ضُلوعِي، وإذا بي اسْمعُ أقدامَ العسَاكر تضْرِبُ الأرضَ تطاردُني، وصُراخهم يمْلأ الفضاءَ زفيرًا، نُباحُ الكلاب، صفاراتُ الإنذار، هديرُ المُجَنزرات، فأخذتُ على عَجلٍ أعوادًا من قصب اليرَاعِ واحدةً أمسكتُها بفمِي، واثنتين أثبتهُما في فتحَتيْ الأنف، استلقيْتُ على قفايا في قعْر المُستنقَع، تحتَ أعطافِ أعوادٍ الحطب عالقة بها الأوْسَاخ والطحَالب تكسُونِي ثوبًا شفيفا، والغضبُ آتٍ، التزَمتُ الصَّمت الرَّهيب، استنشقُ الهواءَ ببطءٍ، جَفَّ رِيقي، تخثر دَمي، تشخَصُ عَيناي حِين تلمسُ ذراعِي الْمَعْطوبَ الأسْلاك، أمرِّر أصابِعي، يَرتفعُ جَسدي قليلا، تغمرُني الروائح الكريهَة، وتلسَعُني الْحَشراتُ، تتوقفُ الأنفاسُ أكتمُها كالنوْرَس، الأرصفة تئِنُّ تصْفعُهَا الأقدامُ، ضَجيجُ الطرقات وهذهِ الجَلبَة ولا طحِين، كانون يُمعِنُون في فحص الرَّاكد من الماءِ، الرصاصُ يتطايرُ، يتفجَّر،خيبتهم تكبر، ويتلاشى الأمل وقد أضناهم البحث ..و لما يئِسُوا انصَرفُوا خائبين، قضيتُ الليل ثلثه في هذه البركة بدُون حركةٍ، بدأ بُزوقُ الفجْر يُعَانق الظلام، حُمرته تمنحُ المكان هُدوءًا، شعرتُ بنشوَةٍ الانتصار والفرحَة لم تكتمل.

3- أرفعُ رأسِي بحَذر، أمدُّ عُنقِي، اخرجُ ببطءِ من قعْر المُستنقع، أرصُد الحركة واستطلعُ الأخبارَ، أتخلصُ من القاذُورات شيْئاً فشيئًا، أجُول بعَيْني المُتعبتين أطراف الْمَكان ..أتحسَّسُ أكثرَ..أخرجُ.. أزحَفُ إلى اليابسة كفَرَسِ الْبَحْر..أتملمَل في الرَّمل..أركضُ بضْعَة أمتارٍ ..أتوقفُ..أتصَنَّتُ..أواصلُ السيْرَ خطواتٌ مُتقطعَة..ألتفتُ ثم أركُضُ متخفيًا، أدْخل الشعاب وامشي في الوديان بحَذرٍ.. مايزال الطقس مُمطرًا، والليل مُظلمًا، إلا من بعض أنوَارٍ خَافتة تنبعثُ من نوافذ البيُوت الطينيَّة، الماءُ يذرِفُ على شعْر رَأسي، وأنا ابتعدُ على منطقة الخطر ..يافرحتاه..! كنتُ أبَحْلِقُ في المارة..أسائل أهل السَّفر، صوتٌ كرجْع الصَدى، رِجَالٌ يمتطون ظهُورَ الْحَمِير والبِغَال في مَسَالك طِينيَّة ضيِّقةٍ، مُتوجِّهين إلى السُّوق الأسبوعيَّة..لم أظفرْ بوجْهٍ صبُوح أحدِّثه..خشِيت أن أطلب منهم عصا أمتشقها فيرفضون..واصلت السيْر تسَاورُني الظنون والوساوس الهوْجَاء، بين بواسق الوجَع وحُلم مطارد، ليس لدي سِلاح ير فعُ رأسي شامخًا ويحْمِيني..توقفتُ عِند حيٍّ فقِير، منازله تدْلفُ بُؤسًا..اقتربت من بيت ملتصقا بالمقبرة، ناديتُ صاحبَ البيْتِ فلم يجب، خضخضت الباب فانفتح، تفزع البقرة هاربة فأهرب معها،خلتها عساكر متخفية..صاحب البيت يتردَّد في إجَابة طلبِي..اقتربُ من بِئر واغتسلتُ بماءٍ باردٍ.. ألقيتُ بأسْمالي الحزينة في الحوْض وقمتُ بتنظيفها بالتربة ثم أعدُتها مُبللة، جاءَ صاحِبُ البيت يعْتصِرُ خوفًا، تهدَّلت شفتاهُ وتهدَّجَ صوتهُ، وكادَ أن يَرْفُضُني، يسألني هل أنت من أصحاب الدنيا؟ صِحْتُ فيه الم يَأتيك نبَأ الجِبَال..؟ نكَّس رأسَه وامتقعَ لونُهُ وسَكت بُرْهَةً..ولما رآني على تِلك الْحَال رَقّ َقلبه، وجاءَت أمُّه في سَتائرَ نعْشِهَا تتمَلملُ، تناهز من العمر التسعين، رَمتني بابتسامَة كضَحْكَةِ طفل بَرِيءٍ، ونادت النسْوة تستَحِثهُن، فأوْقدْنَا نارًا وجمَعْن مَلابسَ، أجلسُوني قربَ موْقد النار على بسَاط لالون له لقدَمِه، شعرتُ أني بيْن أهلي، قمْن بإطعَامي ولما شربت القهْوة ترجَّاني صاحبَ البيْت مُتأسفًا أن ارْحَل، قلت إلى أين؟ وخير لك أن تختفي في المقبرة، فعيون فرنسا لاتنام، قضيت ثلاثة أيام أختفي في قبر ولا أخرج إلا في الليل، يطعمني خفية، تهاجمني الذئاب بين الفينة والأخرى.
4- ذات ليلة تهيَّأتُ للرحيل، قالت الأمُّ العجُوز هي ذِي عصايَ أتوكأ عليها ياولدي، حاولتُ أن أرسل ابْتسَامة بَاهتة في وجْهِهَا، فتنهَدت، أزاحَت العباءَة البيْضاء التي تُخْفِي جَسَدها وأخرَجَت قنيْنة عِطر، قالت: خُذها معك، وشدَّت ذِرَاعِي المعطوبَ إلى عُنقي بخِمَارِهَا، قبَّلتُ رأسَها مَرتيْن فمسَحتْ دمْعة فارةً ساخِنةً انحَدَرَت على خديْها النحِيفتين، أدارتْ بصرَها نحو ابنها العجوز سادَت لحظة صمْتٍ، فيشتعِلُ الْحَنينُ في الصَّدر، وتتوهَّجُ اللحظاتُ في الخيَال نهر طفولة صاخب، تستبدُّ بي صوَّرٌ حالمة آسرةٌ فأبكي بصوْتٍ مُرتفع، تفكرتُ أمِّي وإخوَتي، تذكرتُ أنَّ المرأةَ تحْمِلُ الوطن في ثناياها وآمالها، فرغم الجُوع ومَرَارة الحَياة وقسْوَة الطبيعة وقهْر الاستعمار فإن الْمَرْأة سندٌ للثورةِ، أجل..تصُومُ لتطعِم المُجاهدين، فجأةً وبينما أنا مُستغرِقٌ في التفكير هزَّنِي صوْتُ مُسبل كأنَّ السَّماء بعثتْ به إليَّ، جاءنِي ببغلةٍ لتنقلنِي، تراجَعَتْ دَقاتُ قلبِي وأنا أرحَلُ إلى حيْثُ الرِّفاق، مشيتُ مَسافة مُتعثرًا بين أجِمة الخضْرَة وتلك الصُّخُور، والأرضُ في شتائِها تغِط في نوْمٍ عَميقٍ، استأنسُ بحَفِيف وُرَيْقات تعْبَثُ بها الريَّاح، وعصافير مُغرِّدَة تُرَفرِفُ في سَمَواتِ بعِيدَةٍ، تعْزفُ أنشُودَة الحُريَّة، وفي أعْمَاقِي سُؤَالٌ يتجدَّدُ، كيف أعوِّضُ سِلاحِي المَنهوبُ وألبِسَتي الْعسكريَّة؟ عَزائي أني سقطتُ أسيرًا ولم تسقط العزيمة! هي ذي الرَّوابي تُنادِيني..تسْتحِثني، تهتفُ بصوْتٍ ندِيِّ مأنوسٍ فأتوقفُ والتفتُ، ثم أتوجَّهُ صوْبَ مصْدَر الصَّوْتِ..حُسَيْن نحنُ هنا ..سلامتك..حُسَيْن نحنُ هنا ..وإذا بي أجدُ نفسِي بين الأحْضَانِ مُنتشيًا، لباسٌ عَسكريُّ ٌ ينتظرُني، وسِلاحٌ، وأوْسِمَة ونيَاشين توَشِّحُ صدْري، وإخْوَةُ الدَّرب ينتظرُون بشوْق، والكوْنُ يُنادِينا بهَمْسِ الرِّيح ياشباب..الوطن..الوطن…لبيك ياوطن.. وتهَتفُ الحناجر مُرَدِّدة.. {من جِبَالِنا طلعَ صَوْتُ الأحْرَار يُنادِينا**.فاسْمَعُوا لِهَذا الصَّوت ياعِبَاد..!!} فابتهجت وكأني وُلدْتُ في تِلكَ اللحْظات مِنْ جَديدٍ، وأنا احتضن الرفاق مقبلا، وللتو رحلنا بعيدا.
………………………………………………………………………….
نبذة من حياة المجاهد هو حسين حسين، الاسم الثوري{ صبَّاح الصَّغير } تيمنا بجبل الصباح، من مواليد البرواقية في:10-01-1939 بخمس اجوامع، التحق بصفوف المجاهدين عام:1958 وشارك في معارك ضارية وعمره لم يتجاوز {18} ربيعا وجرح وتمَّ أسره في منطقة بني معلوم بخمس أجوامع قرب سيدي نعمان،يوم 5-7-1959نقل إلى سور الغزلان للمعالجة والاستنطاق ثم إلى السجن العسكري بكامورة {قصر البخاري }عام:11-02-1959 وفرَّ من السجن بطريقة مثيرة للا عجاب هزَّت مضجع السجَّانِين ضباط فرنسا الآثمين يوم 19-03-1960 ليستأنف النشاط الجهادي بعزيمة وقوَّة الأبطال الذين لايخشون في الله لومة لائم، حسين {الصباح الصغير } مجاهد منضبط يعيش الصمت، بعيدا عن الأضواء الكاشفة والمظاهر الزائفة، ولا ندري إن تمَّ تكريمه، فلقد اعتدنا تكريم أمثاله بعد أن يُغادروا الفانيَّة، حاورناه واحتفظنا بأجْوبته إلى حين وها هي ذِي القصة التي تفزعه كلما تذكرها يصفها لنا فنرويها كما هي ودموعنا تدْمع لدُموعه، الحسين تنهد تنهدة ارتياح وفي الحنايا غصة وفال : لم يدع ولومرة الى مناسبة ،منذأن وضعت حرب التحرير أوزارها والى يوم الناس هذا..هكذا يتجاهل المجاهدون رفاق السلاح.. فلنعِش لحظات الماضي العريق العبقة بالمآثر وجلائل الخصال مع المجاهد حسين الحسين{ صبَّاح الصغير }.
البرواقية يوم 19-11-2013

السابق
أبو حسن
التالي
وَثْبَة فِي انْكِسَارِ الظَّلاَمِ

اترك تعليقاً