القصة القصيرة

غربة مع سبق الإصرار

وضع فنجان القهوة كعادته، بعدما تأملَ بملء لسانه مرارتها الممزوجة ببرودة المكان، ليتصفح مذكرته القديمة التي كتب فيها بعض حياته، التي لم يكن يريد نسيانها مهما كلفته خلايا رمادية من دماغه صاحب الجوائز الفخرية في كل محافل السبق والشهرة.
بدأ رحلته من كُتاب قريته، حين تذكر عصا معلم القرءان وهي تتلوى لتزيدهم حرصا على النجاة منها وهم يعتصرون صدورهم بأيديهم وينفخون فيها من شدة الألم، تعرف على بعض الملامح التي ما تزال راسخة كرسومات فينيقية على صخور التاريخ، لكنه لم يستطع استحضار كل الأسماء، وتراءت من بين تلك الصور فتاتُه التي بقي يصطحبها عبر السنين في ترحاله نوما ويقظة، لم يكن لينساها وهي في حُلتها كملاك يشد روعته بإزار من ورود تتطاير في أجواء كأنها الأحلام.
يتنقل عبر مراحل حياته، تتملكه أحاسيس بين مد الفرحة وجزر الأسى، يختفي بين دموعه تحسرا على أيامه التي لن تعود، احترقت أوراق أشجارها ولن تنبت من جديد، هكذا هي الذكرى تنفض الغبار عن جراحات حسبناها برئت، لكن سرعان ما توقظه محطات التسكع واللعب اللامحدود مع أترابه، في أزقة حيه، الذي ما عرف غير الطين والحفر، تذكر دكان البقالة وهو يأخذ بعض الراحة وقت أذان الإفطار، حين كان صاحبه يعزف سنفونية فريدة من نوعها، تنافس منتوجات موزار باحترافية نوتاتها بين تَشْرَقْ …. غِيطْ …. تَشْرَقْ …. غِيطْ ، كان الجميع ينتظر بدء العزف في أمسيات شاعرية، لن يستطيع أي من اللصوص أن يجرؤ على اقتحام الباب الموصد بكل أنواع الحديد.
انتفض فجأة، ليرمي بقايا سيجارته المختبئة بين أصابعه لتنتقم من انشغاله عنها في منتهى الغيرة، يتذكر يوم بدأ ممارسة حرفة التدخين، كان وأترابه يتبادلون أجزاء السجائر يتلقفونها من المارة حين تهوي أو قبل أن تهوي تحت رعاية أعينهم الشاخصة، كم كانت أيامه تلك على سذاجتها تتدفق بالسعادة والغبطة والسرور.
أخذ نفسا عميقا، وهو يمر عبر محطات الظلم التي لحقته في أول رحلة قادته إلى بلاده بعد معاناة مريرة مع الغربة، رجع وهو يحمل حقائب تنوء العصبة بحملها، كانت هدية من عميد الجامعة التي كان يُدرِس بها، بعدما باءت كل محاولات الاحتفاظ به أو بالأحرى بعلمه بالفشل، كُتُب قيمة، تنير رفوف أي مكتبة، لكن قوانين بلاده لا تسمح بهكذا بضاعة، ولم يَعْلَم بمصيرها بعد وداعها الأخير، ربما تكون في أيدي باعة المكسرات على قارعة الطريق.
تحسر كثيرا، لكنه راح يلملم جراحات يضمدها بالأمل والرجاء، ليطرق أبواب متعددة يَعْرِض فيها تجاربه العلمية وبحوثه التي أسالت لعاب الشركات الأمريكية التي تنافست للحصول عليها واحتكارها، لينتهي به المطاف في مكتب ليس فيه غير الأوراق المدبجة بالإمضاءات، صارع ظروفه التي راودها السقوط الممنهج، من مسؤولين لا يرحمون شعوبهم، يسوقونهم كقطعان نحو الموت البطيء، ليملكوا ويتملكوا، فتكون أرضهم مقبرة للعلم ومرتعا للجاهلين.
راجع أحلامه التي كانت كزهور في حدائق غناء، جال بخياله بين مروجها العبقة بروائحها الزكية، لكنه سلم لواقعه كل رسائله التي خطها لحبيبته، التي كان يناجي فيها بلاده عبر ملامحها الحزينة، يمشي في طرقاتها ويرى الوجوه الشاحبة كأنها تسأله الرحيل، ليعزم في رغبتها تلك، ويحزم متاعه، ويترك وراءه حسرته وبقايا الزمن الهارب من عقارب ساعته، ليقفل من جديد لغربته الأبدية.

السابق
الضوء يلاحق وجهها
التالي
فرصة

اترك تعليقاً