القصة القصيرة

فجر الاغتصاب

مازلت تحلم؟ جميل …رائع….لكن ..بماذا تحلم؟ آه .. الصورة غير واضحة تماما تشوشها مراسيم الحاضر الميت لا بأس المهم أنك قادر أن تحلم … أنا ؟؟ أوه .. ربما لا تزال هناك مساحة للحلم … ماذا قلت ؟ ارفع صوتك قليلا إنني لا أكاد أسمعك ..آه .. كيف حضرت إلى هنا ؟.. لا أدري بالضبط كنت أسير بمحاذاة الجدار أفكاري تسبح في اللاقرار … كرات الهواء البارد تتدحرج على أرصفته ..المصابيح تزرع أنوارها لترسم خريطة هذه الجدران المثقلة بعشرات الشعارات … فجأة سمعت صوت فرامل سيارة تكبح و بسرعة البرق وجدت نفسي محجوزا داخل سيارة ..يداي خلف ظهري عيناي معصوبتان … السيارة لم يهدأ محركها لساعات رغم أنها توقفت عدة مرات ، لكن ..أزيزه بقي يعلو على هذا الصخب المتناثر … لاشك أنهم حاولوا إيهامي أنهم ينقلونني إلى مكان بعيد .. مهجور .. يعلو فيه الصمت على صراخي .. و ربما قطعنا كل هذه المسافة باتجاه مدن أخرى ، أحس بالضيق بالاختناق و هذه الأجسام تحاصرني تنفث دخان السجائر في وجهي يداهمني العرق كالشلال … تمنيت لو أستطيع أن أسحب يدي من وراء ظهري … أن أنزع العصابة التي تمنع النور عن عيني .. لو أستطيع أن أفجر مكبوتاتي في لحظة واحدة .. تعلو أصواتهم.. ضحكاتهم لينطفئ كل شيء لحظة واحدة . أخيرا توقفت السيارة .. أصوات أبواب تفتح دفعة واحدة .. يد تمسكني من ذراعي و تسحبني خارج السيارة … في البداية حاولت أن أقنعهم بأنني خرجت في تلك الساعة المتأخرة من الليل هروبا من تلك الغرفة الضيقة التي كانت تجمعنا .. من صراخ ابن أختي التي تزاحمنا رفقة زوجها وثلاثة من أبنائها ، هذه المساحة المنعدمة الزوايا .. وبما أنني لم أكن أستطيع التدخين داخلها بحكم انعدام الهواء فيها و بحكم أنني لم أكن أجرؤ على التدخين أمام والدي .. حاولت .. حاولت .. لكنها بالنسبة لهم كانت مجرد تبريرات وهمية ، و علي أن أخبرهم بالحقيقة ولا شيء غير الحقيقة سمعت صوتا يأمر صاحب الآلة الكاتبة بالتوقف عن الكتابة و تمزيق ما كتب و أن يضع أوراقا جديدة … في الليلة الأولى كانت التهمة خرق حظر التجول… و في الليلة الثانية مشبوه وجد أمام جدار مثقل بالشعارات … وفي الليلة الثالثة يوزع المناشير التحريضية … وفي الليلة ..آه .. ماذا قلت ؟ نعم اعترفت بكل هذا لم يكن أمامي خيار .. يسألونك و عندما تلتزم الصمت أو تحرك رأسك بالنفي ، ينهالون عليك بالصفعات واللكمات و الركلات .. و كلما كان السؤال خطيرا كانت عقوبة الصمت أو النفي أكبر .. لقد مارسوا علي رجولتهم بكل تفاصيلها . عندما تستقبل الصفعة الأولى، يثور دمك .. تغلي رجولتك ..ينهمر العرق ، و تنتفخ أوداجك .. ترغي و تزبد ، تتمنى لو كنت تملك القدرة على تحطيم هذه الآلات الآدمية .. بعدها تحس برغبة جامحة في الصراخ ، ثم تغزو الدموع مرافئ عينيك ، حينها يعرفون أنك فقدت قدرتك على الحركة ، ورغبتك في الصراخ ، وأنك أصبحت رهين موت غير مكتمل وحينها يبدأ كل شيء من جديد ، يهمسون في أذنيك بجمل مزخرفة ، عن الحب والوطن وآخر الشعارات المبتكرة ، ويطلبون منك أن تقول الحقيقة ، فهم لا يطلبون أكثر من الحقيقة أوه .. إنك غاية في الإرهاق ، هذا ما يبدو عليك فعلا .. لكنك لحوح ، تريد أن تعرف كل شيء عني ، إنك بكل تأكيد لا تريد أن تخلو إلى نفسك ، فيغرقك الشلال المعتوه الذي يرسم معالم الذاكرة .. حسنا .. قضيت أسبوعا كاملا متنقلا بين تلك القاعة ، ذات القضبان السميكة ، والتي كانت تعج بمختلف الأشكال الآدمية ، والروائح العفنة التي لا تطاق ، وغرفة التعذيب ( دعني أغالطك وأقول لك غرفة التحقيق ) حيث كان يبدأ في ساعة متأخرة جدا من الليل ( دعني أغالطك مرة أخرى وأقول لك ( ساعة مبكرة جدا من النهار ) وأحيانا أقضي الليل برمته جالسا على كرسي خشبي ، ضوء المصباح مثبت على وجهي ، والأسئلة الكثيرة المتداولة بينهم مثبتة في أذني .. -هل تعرفه؟ -…………. -من غير المنطقي أن يكون هذا -…………….. -إنك تكذب علينا بوقاحة . وطوال الأسبوع ظللت حبيس السخرية ، وظلت صرخاتي والآلة الكاتبة يصنعان الحدث الأكبر في تلك الغرفة العارية ذات الإضاءة السيئة . هل تعرف أن الحاجة تنمي السذاجة ؟ نعم أقسم لك .. لقد أصبحت أجيب ب: ” نعم ، أوه هكذا إذن .. إنهم جبناء ، أنتم طيبون لكنكم بحاجة إلى معلومات ،أليس كذلك؟ .. آه ، نعم أنا أفهم هذا جيد جدا ، ولكن .. حاولوا أن تفهمونني بدوركم .. أنا لا أستطيع أن أعترف بما لا أعرف دون أن تنهش أفكاركم أفكاري ، وأيديكم جسدي .. أنتم طيبون ، ولكنكم بحاجة إلى متهم .. أنا أفهم هذا جيدا ..” .. ورحت أتحدث بصرامة .. أسب وأشتم .. ماذا قلت ؟ من أسب وأشتم ؟ كل الذين قلت أنني على علاقة بهم ، وأنهم يحملون أفكارا ملوثة بالإجرام .. ألم أقل لك بأن الحاجة تنمي السذاجة ، وكنت بحاجة إلى النوم .. إلى الراحة .. إلى الاستلقاء على شواطئ الصمت غير المنتهية ، إلى توسيع مساحة الأحلام التي راحت تتقلص بشكل مذهل .. إنك تفهمني بشكل رائع ، ربما لأنك مثلي ، هل مارسوا معك نفس اللعبة ؟ لم تعد تذكر؟ آه إن ذاكرتك تدهشني .. مثل ذاكرتها تماما ، لقد استطاعت أن تنسى كل شيء في لحظة اختيار .. من هي؟ ألم أحدثك عنها من قبل ؟ أوه تلك قصة أخرى .. التقينا في لحظة من الزمن ( أرجوك لا تسألني متى كان ذلك فأنا لم أعد أذكر ) قدمتها لي إحدى زميلات الدراسة ، في البداية دار بيننا حوار باهت ، صدقني لم أكن أفكر في الأمر بجدية ، كنت فقط أراقص نزواتي اللامتناهية ، الأصدقاء يقولون لي دوما ” أنت محظوظ ” أنا لا أنفي أنني كنت محظوظا لكن .. الحظ ليس كل ما أعتمد عليه للإيقاع بهن ، لقد كنت بارعا في صنع الأحلام ، وهذه ( أعترف لك بكل تواضع ) ورقتي الرابحة ،أحملهن إلى زوايا مهجورة وأصنع لهن من الفراغات المترامية أحلى ما يمكن للمرء أن يتذوقه بخياله لا تتذمر يا صديقي من استرسالي غير المعلن .. المهم .. صورتها لم تعد تفارقني ، لسعات ابتسامتها ، رقصات الألوان في عينيها ، ومراسيم كلماتها التي كنت أوقع عليها دون إبحار ، واستطاعت في لحظة من الزمن أن تختصر مساحة أحلامي ، بعد أن وحدت أفكاري المشتتة وتجعلني أقرر صنع قدر ما .. زغردت أمي ، وهز أبي رأسه في صمت عندما حدثتهما عنها ، وأخبرتهما أننا قررنا تشكيل رمز لهذه العلاقة التي رسمت معالمها .. كل شيء كان مجهزا لغد أفضل ، التخرج ، العمل ، السعادة بكل زواياها المدهشة .. كلا ..كلا لم أكن أحلم ، كانت كل الأشياء مرتبة بكل النظريات العلمية التي قرأتها ، ولكن المشكلة أن واقعيتي كانت من أحلام هذا الوطن . بعد التخرج بدأت حياتي في شكل نقاط لتنتهي برسم دائرة أتعبتني إلى حد الهلوسة .. انكببت على كتابة الرسالة تلو الرسالة .. ” .. سيدي المدير .. يشرفني .. أنا متخرج منذ.. أبحث عن عمل وفق ما أحمله من ..وذلك حتى أستطيع .. ” ثم .. “.. سيدي المدير .. يشرفني .. أنا متخرج منذ .. لا أبحث عن عمل وفق ما أحمله من شهادات ، ولكن وفق ما هو موجود عندكم .. ” وفي يوم من الأيام تلقيت رسالة ، فتحتها على عجل .. كانت يداي ترتعشان ، وجيب قلبي تعصره الحمى ، أفكاري تدور في كل الاتجاهات على محور الأمل ، فإذا هي سطور محدودة كتبت بخط رديء جدا .. ” عزيزي .. من المطار أكتب لك هذه الكلمات العاجلة، لأقول لك أنني تعبت من تلغيم نفسي كل يوم بأحلام لا تنفجر .. أشكرك على صدق المشاعر .. الوداع ” . إنك تستفزني بهذا الضحك المتواصل ، أعترف أنها لم تكن بريئة ، فعندما عقمت ألغامها في رحم الأحلام ، راحت تبحث عن رحم آخر لأحلامها . صه .. إني أسمع صوت أقدام تقترب ، أرجوك تظاهر بالنوم فالباب يكاد ينفرج ولا أريد تهمة أخرى ، ما عساها تكون ؟ سؤالك يشوه معالمي بالضحك .. -أما زلت تكلم نفسك ؟ يا للكارثة إنه لا يراك ؟ ياله من سجان مسكين يزرع صوته المروع في كل مكان ولايرى أحدا.. نظراته تثقبني ، تفتش عن آخر رمز لآخر حصن في ذاتي المهزومة بألف حصار ،شفتاه تتحركان بلا اتجاه .. -غدا ستنتهي وحدتك -وصديقي ..؟ هكذا تفجر السؤال من بين شفتي دون تخطيط مسبق ، الكثير من الكلمات تفلت منا بلا روية ولا انتظام لتصنع لحظة أخرى من الانتظار ، جلجلت ضحكاته لتصنع الحدث وسط هذه الزنزانة الفارغة إلا من هذه الأنفاس الخاضعة لوتيرة الذاكرة . -أرجوك سيدي خفف من ضحكاتك قليلا حتى لا توقظه . -………………. -أرجوك سيدي ، ضحكاتك تؤذي أحلامه . هاهو الباب ينغلق من جديد ، وهاهي ضحكاته يبتلعها عمق الرواق .. ماذا ؟ لقد نمت فعلا ؟ ماذا تقول ؟ استيقظ .. إنك تحلم ، لا تصرخ .. لا تجهر بأفكارك الملوثة بالإجرام ” وكل فجر جديد يمتطيه اغتصاب لشخص تراوده ضحكات خائفة في عمق الأحلام ” . أرجوك لا ترفع صوتك ..كلماتك تمتد لآخر الرواق لتلحس آخر نقرة في حذائه ، أصمت استيقظ أيها المجنون ، يداك تطوقان عنقي .. أحس بالاختناق ، بصوتي يتلاشى ، بهذه الزنزانة تتحول إلى نقطة تائهة في المدار ، استيقظ أيها المجنون .. يتصدع الصوت من حولي ، وتبقى حركات شفاهي ترسم معالم هذه الكلمات .. ” وكل فجر جديد يمتطيه اغتصاب لشخص تراوده ضحكات خائفة في عمق الأحلام ” .

السابق
حينما يتكلّم الصّمت
التالي
الطّريق

اترك تعليقاً