القصة القصيرة جدا

فرجة

إن ما شدني إلى هذا الشارع الهادئ، هو رواد المقهى الذين صرت واحدا منهم، و أحد أشرس المدمنين عليها، فقد رأيت أنظارهم معلقة لا تريم إلى شرفة منزل بالطابق الرابع، رفعت بصري أنا أيضا، فشاهدت حسناء بثوب شفاف يظهر بحشمة ما تحته، فبحثت عن مقعد لي لأتابع الفرجة، بحثا عن فرج. بالكاد عثرت على مكان، فمثل هذه المشاهد لا يفوتها أحد، كيف يفوتها و هي منبع البهجة و مصدر الفرح؟ صرت كالمسحور، لا يستقيم لي يوم من دون عبور الشارع، و البحث المضني عن كرسي، إلى أن صار لي واحد صديقا، فما عاد بمكنة أحد اغتصابه مني، صار معروفا بي، و صرت معروفا به. أما الحسناء فلم تكن بالناس مهتمة، و لا برواد المقهى الحائرين، الرافعين لرؤوسهم بانتظار سهو سقوط، أو غفلة هبوط، كأنها لم تر فيهم سوى قناصين فاشلين، لا يصيب رصاصهم إلا أنفسهم، تملأهم الخيبة، و يدثرهم ويل العار، كانت كملاك قد صوبت نظراتها إلى الأفق البعيد، تنظر بسهوم لا يحيد، و تبقى زمنا طويلا، قبل أن تغادر، حين ذاك، يكون الليل قد أعلن عن تباشير قدومه، فينفض من في المقهى، و تكون حصيلة المدخول كبيرة لصاحبها، حتى إني شككت في أن يكون هو من يقف وراء الوقوف، و أنه صنع الحيلة بتدبير حكيم فكان العائد ضخم لهذا اللئيم. ثم تبين لي، بعد حين، أن الكاعب لا ترتبط به بصلة، و أنها بريئة من كيده، و سوء ظني.
و سارت الأمور على هذا المنحى من دون أن يمل الرواد و من دون أن تكل أعينهم، فلم يصابوا برهق و لا حزن، فوراة قلوبهم كانت. أما أنا، فكنت أحمل معي رواية لئلا أضجر، فهي وسيلة لكسر الانتباه، و فت عضد إدامة النظر في اتجاه واحد. و كنت شارفت النهاية، لم أجد سوى صفحات بيضاء، أكسبتني الحيرة، و كللتني بالفضول، سرعان ما تبدد حين عزمت الفتاة، هذا اليوم، و كأانها أدركت سر غلتي، و حر عطشي، فقررت الصعود إلى حافة الشرفة، ثم بطريقة بديعة، حلقت في السماء، صارت كفراشة لونت العيون بإشراقة الجمال، ثم تحولت حروفا بليغة تناثرت كما حبات مطر على صفحاتي لتلونها بفصاحة النهاية.
شعرت بقشعريرة أيقظتني من غفوتي؛ لأجدني وحيدا في المكان ، فراغه راعني، أغلقت الرواية، و سرت باتجاه العمارة، ارتقيت الطوابق الأربعة، فتحت شقتي، وجدتها تنظر إلي بعينين دهشتين من أعلى صورتها.

السابق
الصدفة
التالي
غبش

اترك تعليقاً