مقالات

فكرة النص جنين في رحم الذاكرة

تومض فكرة النص في ذهن المبدع وميض البرق، ثم تخبو، شيئا فشيئا تبهت نار جذوتها إلى أن تتلاشى تماما٠ يحاول لملمة شتاتها في ذهنه، لكنها تتمنع عليه كعروس ليلة دخلتها، وتهرب منه، فلا يقبض إلا سراب طيفها٠ وقتئذ، يسد عينيه، يضغط على صدغيه، ويفتح كل مسام روحه وجوارحه، وبإصرار يكرر المحاولة، تطاوعه، وتعبر سماء دماغه سحابة شاردة٠
وتبدأ رحلة البحث في متاهات الذاكرة عن سحب أخرى تآزرها وتقويها، يبحث في مخزونه المعرفي عن مواطن الاستقواء بمن سبقوه في شطحات ميلاد الفكرة، رحلة تشكل وتكوين، وقد تكون محمومة لا تخلو من أوجاع، إلى أن تصبح غيمة كبيرة، محملة بغيث سيجتاح مدى الأذواق، وكلما أصبحت أكثر وضوحا في ذهن المبدع، كلما كان تشكلها وتكوينها متبوعا بآلام مخاض الذاكرة٠
فذاكرة المبدع رحم ولود، لكن لا بد من مرور ما سقط فيه من هذه المراحل التي تعتبر ذات أهمية قصوى في عملية الإبداع/ تشكل وتكوين الجنين، إلا أنها تختلف في مجال الإبداع من حيث الصعوبة والسهولة، من حيث طول أو قصر المدة التي تستغرقها، وذلك حسب استعداد وخصوبة كل رحم٠ لا يخفى علينا أن المبدع المتميز هو الذي يعصر ذاكرته لإنجاب الأحسن والأجود والجديد الذي لا يخلو من بصمات عظماء السلف، يركب موج العناء والتعب من أجل إمتاع نفسه أولا، وبعد ذلك يمتع المتلقي لأن العاجز عن إمتاع نفسه لا يمكنه أبدا أن يمتع غيره، (ففاقد الشئ لا يعطيه)٠ ولعل عناء البحث في متاهات الذاكرة عن سند الفكرة، هو المتحكم في نوعية المخاض من حيث الصعوبة أو السهولة، ففي أغلب الأحيان تسكن أوجاع المخاض، فتخبو نار الفكرة، فتصبح أشبه بالجنين الراقد في رحم أمه، وقد تطول مدة رقوده، وقد تستمر إلى أجل غير معلوم، لكن البركان ينفجر يوما من الأيام، فتبحث حممه عن ثقب للخلاص لاجتياح المدى٠
فكرة النص الإبداعي أشبه بخلية، تتكون من نواة، فتكون بسيطة ( شجار في الشارع العام ) ثم تبدأ في الانقسام على نفسها تشكلا وتكوينا، لكن مهارة المبدع تعمقها وتقرب ما تباعد من زواياها، في حدود سياقات يفرضها منطق العقل، فيخلق من بساطة هذه الفكرة قصة رائعة تستهوي الأذواق، وتأخذ بالألباب، ويسلك في ذلك مسلك الاشتغال على اللغة، انزياحا وبلاغة غموض، مكسرا مألوفها، مخترقا قواعدها باحثا عن الغريب والعجيب والمدهش، وفي قرارة نفسه: أن خسوف القمر ليس هو بزوغه، وأن كسوف الشمس ليس هو طلوعها كل يوم، فكذلك اللغة التي لا تثير سؤالا أو تساؤلا أو عناء البحث عن دلالة عميقة، تكون مبتذلة سطحية مباشرة فلا يلتفت إليها القارئ الباحث عن المتعة في روعة التركيب وشرف المعنى٠
تختمر حمم البركان، تنصهر وتذوب، فتتسلل كالماء الزلال بين الأصابع٠ حينئذ، يقع الانفجار العظيم معلنا عن ميلاد عمل عظيم في قصة أو رواية أو قصيدة شعرية٠ تسيل الحمم تجتاح الأدمغة، فتغذي لهفة وعطش المتلقي للجديد والجيد والأجود٠ لكن، قبل أن يخرج المولود إلى حيز الوجود، ويصبح في عهدة مشرط الناقد وذوق القارئ الباحث عن لذة القراءة، لابد من خضوعه لجهاز المراقبة الصارمة: غربلة، وتشطيبا، وتنقيحا، وتشذيبا، لأن الوردة المهملة والعطشى لا يمكنها أن تتفتح في أيدي عشاق الورود٠ وتمس هذه المراقبة جوانب أساسية : التركيب اللغوي الذي يساعد على خلق الصورة التي تهز المشاعر إندهاشا وإعجابا، حيث يراعي المبدع في ذلك انتقاء كلماته ومقولاته اللغوية من فوضى فضاء لغة لم تتشكل بعد، فيكون المسؤول عن روعة تشكلها، فيخلق التآلف بين ما اختلف من عناصر لغوية، لأن أجود الكلام شدة إئتلاف في شدة اختلاف- كما ذهب إلى ذلك قيدوم النقاد العرب الجرجاني- وأظن أن التراكيب الأكثر جمالية وقبولا في نفس المتلقي هي تلك التي تترك شيئا في ذهنه بعدما ينتهي من القراءة٠ وتشمل هذه العملية إسناد كلمات تختلف عما بعدها أو ما قبلها من حيث المقومات والخصائص، لأن الانزياح اللغوي لا يتحقق إلا بالجمع بين المتناقض من مقولات اللغة، والاهتمام بكتم أنفاس الترهل والإطناب المجاني الذي لايخدم النص، ويشتت انتباه المتلقي مع الحرص على الاختيار الناجح للروابط بين الأفكار والجمل، لما لها من أهمية قصوى في هندسة أسلوب سلس يستعذبه المتلقي٠ وأظن أن جمال التركيب في بناء الجملة، لابد أن يخلق معنى شريفا لا يستهجنه المتلقي، معنى قادرا على تمرير رسائل إنسانية مختلفة، تتعدد قراءاتها حسب قدرة المتلقي على التفكيك والتحليل، ومهارته في اختيار الإسقاطات المناسبة التي لا تضر بمعاني النص العميقة، وهذا متوقف على تصوراته الفلسفية في الحياة، وعلى خلفيته الثقافية٠ فالمعاني الضحلة الفقيرة كالعملية الجنسية غير المنجبة، تموت قراءاتها بنهايتها٠
وتعتبر المراقبة الصارمة من أهم المراحل التي تحكم على النص بالنجاح أو الفشل بصفة عامة، لأنها هي التي تحدد وجوده وجودته، ولنقتد بالظبية التي لا تسلم وليدها أحضان الغاب قبل أن تنظفه من كل شوائب المشيمة٠ قد لا يقتنع المبدع بأن ما أبدعه ذا أهمية، فيشطب عشرات الجمل، يستوجب تعويضها بأخرى أجود منها، وقد يضطر إلى إعادة صياغة نصه من جديد٠
ولعمري إن عملية هذه المراقبة لا تنتهي أبدا، لأن كل قراءة تفرض مراقبة جديدة، وربما تنتهي بوفاة المبدع٠فإننا ننشر نصوصنا على مضض، لأننا ندرك حق الإدراك أن ما نشرناه – تخلصنا منه – يكون دائما في أمس الحاجة إلى تطعيمه بالجديد في كل قراءة، وأعتقد أن مراقبة النص وتنقيحه أكثر تعقيدا من كتابته ، فهناك من الرواد من لا تقنعه محتويات روايته فيضطر إلى شطب فصل من فصولها أو شطبها كاملة، وينطلق من الصفر في رحلة إبداع جديدة٠
وحتى لا تضيع مجهودات المبدع سدى وتذروها رياح عدم المعرفة، على الناقد أو القارئ الذي سيتكفل برعاية هذا المولود الجديد، أن يكون في مستوى هذه المسؤولية حتى لا تذبل الوردة بين يديه، كأن يكون واعيا بأن النص الإبداعي بصفة عامة يتعالق مع مختلف العلوم الإنسانية من تاريخ وأدب وأساطير وأنماط تفكير بشري سادت ثم بادت، لهذا لا يجب أن يخذل المبدع بقراءاته الفقيرة، التي تصب ماءها على توهج ناره، فالنقد بدوره إبداع يتعالق مع سائر العلوم، والناقد ملزم بأن يكون حربائي الألوان، موسوعي المعرفة، على دراية بحقول النقد والنصوص الإبداعية، حتى يكون هناك تكافؤ معرفي بين الناقد والنص، فالذي يجهل مسيرة الشعر من هوراس إلى أدونيس، لا يمكنه تفكيك شفرات قصيدة تمتح من الأسطورة، فالنقد يوقظ النصوص من سباتها- كما ذهب إلى ذلك جان بول سارتر- فإذا كان الناقد / القارئ على ما ذكرنا من صفات وخصائص معرفية، توجناه و أقصينا المبدع أثناء عملية القراءة، وإذا لم يكن كذلك، فإننا نساهم في تدمير النص وقتله ولا نريد أبدا أن نكون مشاركين في جريمة عن سبق إصرار وترصد٠
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‎Salah Hachcham‎‏‏

السابق
رأس الحربة
التالي
سِرُّ الضوء

اترك تعليقاً