قراءات

فك التشابك الفلسفي الأدبي في نص نبوغ

القصة للكاتب أسامة الحواتمة

النص على مجلة لملمة من هنا

القراءة

يمكن اعتبار هذه القراءة مدخل عام لمبحث ( التعابر الفلسفي / الأدبي في النصوص )
قبل الشروع في التعاطي مع النص لنر أين يقع الناقد وكيف يتعاطى مع النص أي نص
قبل أن يعطي أوصافا انطباعية تمثل مرجعياته هو لا مرجعيات النص، لهذا أقول
المساحة التي يتحرك فيها النقد هي مساحة نسبية لا تعدو أحد اشكال ثلاثة فهي أما ان تجاور عمق النص أو تصدر عنه أو تتجاوزه أحيانا ومهما اتسمت قوة أداة الناقد فانها لا تقرر سلفا هذه المساحة قربا او بعدا من النص فهذه المساحة هي معادل موضوعي لشيء يتجاوز ذاته
طيب ماذا يفعل الناقد في هذه المساحة؟ هل يعكس عمل الكاتب؟ هل يؤسس خطابه فوق خطاب الكاتب؟ هل يعيد انتاج النص وفق إدراك تقليدي؟
عين الناقد تقع على طبيعة العلاقات غير المعلومة في هذه المساحة ببصيرة تأملية تستقطب كل ظلال النص في هذه المساحة
على هذا ساتناول النص مشددا على ضرورة هذا المدخل لبيان مرجعيات الحكم على النص فنيا ودلاليا واسلوبيا وإني إذ أقدم هذا فانه قلما تجد حكما نقديا يحمل فلسفته معه
تفسير طبيعة المتخيل واللغة والمفردة الثاوية في هذا النص
كل نص هو تجربة نفسية وذهنية محايثة لشرائط انتاجها والذهن وجود مواز ومقابل للوجود الواقعي تنطبع فيه صور الأشياء دون أثارها فحين أتصور النار ستكون لها صورة في الذهن لكنها غير محرقة ونعني هنا بالصورة هنا هي ذات الشيء دون اثاره منطبعا في الذهن ويهمنا من معالجة هذه الأشياء قوة التخيل وهي قوة كباقي القوى الأخرى من الوهم والعقل والحدس والظن المنطقي والتخيل فالتخيل هنا هو التصرف بالخيال ومواد الخيال من مشاعر وتجارب نفسية وحياتية ومعرفية وذكريات واراء وقراءات وانطباعات الخ كل هذه المواد يتصرف فيها الخيال نقصا وزيادة وحذف وتركيبا
وهذا التصرف هو إرادة مقصدية تتولد معها في ذات اللحظة إرادة استعمالية على وجه اللغة
المتخيل هنا هو حاضنة تعمل بوجهين الأول هو احتفاظها بالواقع من حيث مادته الأولية ومن ثم تقوم بتغييره او تشكيله تشكيلا جديدا وتطويره اذن هو متخيل تجاوزي يطرح الواقع (إمكانا أو افتراضا أو احتمالا) فهذا الواقع محصلة وليس معطى محصلة تجشم النص كشف بناها وانساقها
وهو غير مسؤول عن تعضيدها أو الغائها بل هو يحمل مهمة أخطر من ان يتبنى او يرفض عبر مؤشراته أنه يقوم بزعزعة مرجعيات الواقع في بناء مواز من الإمكان والافتراض والاحتمال كي يهب اكتشافات اخر من المعرفة في الفهم
والتجربة الذهنية هي الوجود الذهني لمنتجات التخيل مجردا ومحايدا دون أي قالب لفظي لكن الإرادة الاستعمالية تتولد بذات اللحظة ليتنزل هذا الوجود الذهني الى وجود لغوي وهذا الوجود اللغوي ليس هو قوالب الفاظ تشير الى المفردة كذات مفردة بل تشير الى محمولها الذي حفزه التدليل ضمن سياق التركيب وهنا تكون المفردة في اللغة امام أربعة معاجم هي المعجم الذاتي للمفردة والمعجم الثاوي في ذات الكاتب والمعجم المتولد اثناء السياق والمعجم الذي يسقطه المتلقي وهذا بحث خارج قصد القصة لأنه مبحث دلالي
اذن اللغة هنا مجال علاماتي ذو محمولات بلاغية ووظيفية وتوصيلية وتأثيرية وتواصلية وليست الفاظ اللغة ميثاق بين المرسل والمرسل اليه ومن هنا سنتعرض الى سير وهوية المفردة في اشكال السرد
بحيث تتحرك المفردة في النص وفق سياق محكم تبدل سلوكها فيها تبعا لطبيعة النص ولا باس هنا ان أورد انماطا لبيان هويتها
– المفردة في السرد القرأني تتحرك دلاليا بهدفية تحقيق المطالب والأهداف الإلهية في الذات فهي مفردة مقصودة ومرصودة الهدف وهذا الهدف له حصص مراتبية تظهر بحسب استعداد واستحقاق المتلقي
– المفردة في السرد العرفاني والصوفي تتحرك أشاريا لبيان حال ينطبق على صاحبه وحجة عليه لأنه هو من ينحت هذه الدلالة طبقا لمقامه ويواجه إشكالية انه أساسا لا يعتمد اللغة لكنه يعود ليشرح بها حالته وقصدي من ايراده هنا لبيان تحرك المفردة في بنية السرد
– المفردة في النص الشعري تتحرك أيحائيا لتخلق اشكال دلالية متوترة لا تراهن على حسم دلالي وانما متعدد الأوجه
– المفردة في السرد تتحرك حركتين الأولى باتجاه الواقعة لتشير الى احداثيتها فقط والثانية متجاوزة الى المغزى من هذه الواقعة ويتكفل التناص والتوتر والتكثيف والمفارقة بيان ذلك
– المفردة في النص الفلسفي تتحرك مفهوميا لتسيج مقولتها بقانون منتزع من مساحات مبرهنة
ما يهمنا هنا ان النص ذو نزعة فلسفية تتحرك فيه المفردة وفق معجم مفهومي تحت غطاء الرمز والعلامة والتكثيف اذن هو الشكل الأخير من تحرك المفردة ولهذا استعاراته فلسفية ضمن ابوة الادب وهو بهذا يفرض على المتلقي ذخيرة معرفية للأقدام على النص فليس النص هنا ملغز او غامض بل هو متحرك بمفهوم فلسفي وطبيعة المفهوم الفلسفي انه يتحرج بل يمنع أي انزياحات أخرى تهدد مدلوله المفهومي
الان في خطوات حاسمة يتجلى النص كالتالي
1- الحدث في هذه القصة مبني على نسق التتابع
2- نمط روي الحدث تحقق براو كلي المعرفة غير حاضر أسقط المسافة بينه وبين الأحداث
3- الشخصية هنا مركبة بمعنى انها هيكل اجوف ووعاء مفرغ تملئه مساند القصة المختلفة ويكتسب مدلوله من البناء القصصي ومن جهة أخرى تمثلت هذه الشخصية من عناصر لغوية تتجلى في السياق الدلالي وترتبط بالحدث ولا تنفك عنه وهذا النمط من الشخصية هو الشائع ومتوفر لان الشخصية في القصة القصيرة جدا لا يناسبها ولا تتحمل رصد العوالم الخارجية لها ووصف احوالها وعواطفها على حساب تنامي الفعل فيها بل يناسبها ان تتنامى في تيار الوعي في مناجاتها ومنولوجها
4- اللغة هنا مرتبطة بحكي تأملي فكري ذهني لأن طبيعة الجمل القصيرة كلها توحي ولا تصرح
5- الموجودات النصية هنا (علائق / كلمات) هي ذات بناء فلسفي شعري صوفي مستعار الجملة الفلسفية والشعرية لذا تراه مكبل بين بين
6- المفارقة هنا مكبلة بضغط الاستعارة الفلسفية مما جعل بث الدهشة متباطئا نوعا ما
7- واقعية اللغة غير واقعية ما ترصده في الواقع لانها ليست محاكاة بل تصوير موضوعي للبنيات الدلالية
8- المتخيل هنا هو حاضنة تعمل بوجهين الأول هو احتفاظها بالواقع من حيث مادته الأولية ومن ثم تقوم بتغييره او تشكيله تشكيلا جديدا وتطويره اذن هو متخيل تجاوزي يطرح الواقع (إمكانا أو افتراضا أو احتمالا) فهذا الواقع محصلة وليس معطى محصلة تجشم النص كشف بناها وانساقها
وهو غير مسؤول عن تعضيدها أو الغائها بل هو يحمل مهمة أخطر من ان يتبنى او يرفض عبر مؤشراته أنه يقوم بزعزعة مرجعيات الواقع في بناء مواز من الإمكان والافتراض والاحتمال كي يهب اكتشافات اخر من المعرفة في الفهم ونقد الواقع
9- سيمائيا ان العلامات المودعة في النص هي مضمونات عديمة الشكل والنص هو من يقود هذه المضمونات من اشكالها المحايدة الى وجود فعلي من القيم وهو بهذا يقوم بخلق مقامات خاصة دلالية مقتطعة من معجم عام
وهذا الاقتطاع تم تكثيفه الى عالم قيمي مواز للواقع
المهم هنا جدا اننا لا نسائل المضمونات العائمة ولكننا نسائل اشكالها الخاصة في التحقق ولذا فان (الطريقة التي تتحقق بها هذه القيم هو ما يشكل المدخل الرئيس نحو فهم (الطبيعة الأيديولوجية للمعنى او الميكانيزمات التي ينتج عبرها المعنى / وينحاز / الى جهة بعينها)1
10- لا نغفل أن تجنح القصة القصيرة جدا الى قصيدة النثر وبالعكس وان الخيط الفاصل رقيق جدا ومخادع في انهاك السرد وجرجرة الشعر الى الأفصاح وبالعكس
ماذا يريد النص كمضمون
يتحدث النص عن صراع الذات الأنسانية وهي تتجه نحو كمالها بقرينة (إرادة / ممكن) والقول بالكمال هنا مشار اليه بأدوات الصراع (الغربان / رمي الجمرات) وهما رمزان عاليان جدا في بث المنظومة المعرفية عبر ايحاءهما فالغربان هنا همزات السوء تلاحق الذات على سبيل الأغواء لا الحتم لأن منبعها الرأس الذي محل (ألهمها فجورها وتقواها) فالبعد الإدراكي هنا الهامي للفجور (الهمزات) وللتقوى (رمي الجمار) والهمزات ورمي الجمار مظهران لتجلي الشر والخير في ماهية السلوك الإنساني
يقول النص ان هذا البعد الاداركي لو كان مرصودا بإرادة وممكن لكان حال البشرية أفضل حالا مما هي الان عليه من دمار وويلات اذ ان الغربان وعاء رمزي يتعدى الشخصي الى الاجتماعي باعتبار الفرد نواة للمجتمع وفساده يعني فساد المجتمع والغربان هنا إذا سيطرت فنحن في صراع حضارات واذا اتمت الجمار رميها تحققا في الذات فنحن في حوار حضارت
وهكذا يشير النص الى تناص بعيد وقريب فتناصه القريب (لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم) في حال انتصار الارادة وتمثل الممكن لها وبعكسه يبقى ثاويا في أسفل سافلين، وتناصه البعيد ان حال الانسان بهذه الكيفية يتحول من مصير ذاتي فردي الى مصير اممي مروع (ولكل امة اجل).

السابق
قراءة في نص “أفق”
التالي
قَدَر

اترك تعليقاً