القصة القصيرة

فلسفة الحب والموت

رصيف خال على عروشه إلا من أولئك الطلبة العائدين من مدارسهم يحملون أثقالا فوق تلك الأثقال التي عادة ما يحملها طلبة المدارس، (محمد) و(كنزة) شاب وشابة، أو بالأحرى طالب وطالبة تجمعهما مشاكل الدراسة وتفرقهما مشاكل ما بعد الخروج من المدرسة، وطريق العودة إلى البيت الذي يتمنيان لو كان أطول مما هو عليه، فذلك يجعل حديثهما يوغل أبعد فأبعد.
لم يكن قادرا على اختيار الكلمات الأنيقة التي توحي بأنه يخاطب فتاتا جميلة، حتى أن لسانه كان يتعثر أكثر من مرة وهو يحاول أن يتلفظ حروف اسمها لفظا صحيحا.. وحدها وعلى عكس جميع فتيات هذا العالم كانت تستطيع أن تتنبأ بحركة يديه اللاإرادية وهو يحاول أن يتملص من عقدة الكلمات التي يخشى أن تفسد متعة حديثهما، ذلك الحديث الذي لا يختلف كثيرا عما كان عليه منذ أول صدفة جمعتهما، فجله يدور حول يومياتهما في المدرسة، ومع ذلك كانت الأمور تسير على خير ما يرام، و كانت عيناه تطيشان من حين لآخر كي تدرسا جغرافيا وجهها درسا مفصلا..
يتلعثم حين يحاول أن يرتجل جملة اعتراضية تخرجهما من حيز هذه اللغة الغائرة في القدم قدم هذه السماء التي تعلوا رأسيهما، وبشق النفس يلفظها دفعة واحدة “ما قولكِ في الحب؟”.. لم تستطع النظر في عينيه ولا القول بأنها لا تفقه شيئا في الحب رغم أنها الحقيقة.. هي لا تعرف عن الحب أكثر مما قرأته في كتب الأدب القديمة.. أرادت أن تكون أكثر رزانة فاحتفظت بالدهشة لنفسها و اكتفت بابتسامة عريضة كانت بالنسبة إليه أفضل جواب لسؤاله.. ولكم تأسف عندما أدرك أن الطريق يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة ليتجشأ كل واحد منهما أمام باب منزله القابع في آخر الزقاق.. فيختلس منها قبلة ويضيع في ضوضاء الشارع..
مرت أكثر من نصف ساعة وهي واقفة أمام المرآة ذاتها التي ما كانت تقف لتوديعها في صباحاتها السابقة، بل إنها تعودت أن تخرج من المنزل دون أن تهتم لأمرها ودون أن تعرض عليها تفاصيل جسمها الأنثوي الأنيق الذي لم تكن قبل اللحظة تهتم له.. تبدو وكأنها تتدرب على أداء دور تمثيلي في مسرحية ما، فهي تروح وتجيء في أرجاء الغرفة، تتأمل حركة جسمها الرشيق بتمعن وإذعان شديدين، وتتوقف أكثر من مرة لتعدل تسريحة شعرها أو موضع أزرار قميصها التي تنزلق قليلا، كانت متشوقة لرؤية (محمد) لتجيبه عن سؤاله لها بالأمس..
كان يوم أربعاء، وكانت الساعة تجاوز بقليل عتبة الحادية عشر صباحا حينما رأته يتقدم منها مكبكبا رأسه على غير عادته، وهو الذي كان يستقبلها كل صباح بدعاباته المرحة و نظراته العميقة.. يده اليمنى تطبق على ورقة سكب على ظهرها خلاصة عذاباته.. أرادها أن تطّلع عليها، وضعت الورقة أمام عينيها.. ارتبكت قليلا لكنها تمالكت نفسها و قرأتها من أول حرف حتى آخر نقطة.. عندما فرغت من قراءتها جمدت برهة في مكانها لتنفجر ضاحكةّ.. فلم تكن خلاصة عذاباته إلا حلول واجبه المنزلي الذي قضى الليلة بأكملها يحاول الإجابة عنها.. هو فقط أراد أن يرى ردة فعلها لو أنه قرر أن يعرض عليها ما يختلج في نفسه من مشاعر تجاهها..
كالعادة لا يفعلان شيئا سوى التحديق في بعضيهما دون ملل.. يخيم صمت رهيب على المكان و كان على أحدهما أن يكسر تلك الطابوهات، فالصمت لم يَـرُقْ لكليهما.. قال (محمد) بصوت خافت ” أحبكِ”، و ما كاد ينطقها حتى سمع صوت ارتطام عنيف تلته صرخات متفرقة، ثم انقطع عنه كل شيء و فقدت كل الصور من حوله لونها و بريقها.. بدأ الضوء يخترق عينيه تدريجيا ليجد نفسه ملقى على سرير وسط غرفة تعبق برائحة الدواء، بالكاد يستطيع تحريك أصابعه و بقية أطراف جسمه.. يحاول أن يتذكر آخر صورة سبحت في عينيه، فتخونه ذاكرته المتعبة..
يسترجع ذاكرته ببطء، و قبل أن يتساءل: أين (ك)؟.. يراها تندفع من باب الغرفة الضيق مسرعة نحوه، يحاول أن يتمالك نفسه فتخونه دموعه التي تتدحرج باردة فوق خديه على شكل كرات بلورية، فيصرخ بصوت مرتفع”أحبكِ”، كان خائفا من أن يحدث ما حدث في المرة السابقة فلا تسمعه، لكنه اطمأن عندما تأكد أنها سمعته، و فهمت ما قال.. و كردة فعل منها أمسكت يده وهمت أن تقول له شيئا ما أو هكذا بدا الأمر من أول وهلة.. لكنها شعرت بثقل يده بين يديها الناعمتين.. و كان الطبيب يقف جانبها فأومأ لها أن الأوان قد فات.

السابق
لدغة
التالي
الميت

اترك تعليقاً