القصة القصيرة

فى الذاكرة

كان تواقاً لمغادرة قريتة بما فيها من حواديت وحكايا بالية.. تعب من سمعها وملّ الجلوس على (المصاطب) والناس تلوك القصص المكررة وتعيدها وكأنها تروى للمرة الأولى .
(كان) شغوفٌ للتخلص من (المريلة) التى كانت تحك جلده لست سنوات كاملة .
(كان )ومتحفزا ابن الثانية عشر ربعياً لهذه النقلة, (فكان) يحصى الأيام والليالي بالدقائق والثوانى لبداية العام الدراسى الجديد، (و)يرتدى القميص والبنطال، ويتعرف على زملاء جدد غير اللذين عرفهم بقريته النائي(ة)، ويمنِّى النفس بإضافة معلومات وثقافات جديدة غير التى تدور حول (شوقى سلام) مضرب المثل هناك وبراعته فى فلاحة قراريطه العشرة وكيف استفاد من تعلمه ومضاعفة قراريطه خلال خمس سنوات.
= حانت الساعة واستأجر له والده حجرة بـ (المركز) قريبة من المدرسة بها التيار الكهربى وسرير ومكتب, وبلكونة.
مع أول يوم قال فى نفسه : لا ينقصك شىء سوى التفوق حتى تعرف كيف لـ (ابن سلام) الحصول على كل هذه الأموال الطائلة.
***
تمضى الأيام ثقيلة, وهو يجد فى دراسته.. ترتيبة الأول دائماً, غير أنه لم يصل إلى ما كان يبحث عنه, فالجيران وزملاء الدراسة بـ (المركز) لم يزده كيل بعير من ثقافة حتى المواد الدراسية لم تعلو(تعلِ) من مقامه فى الحياة العملية غير أنه اتخذها باباً لإثبات تفوقه.
ــ الحكايا هى نفسها التى تدور فى قريته مع اختلاف الأسماء.
ــ كذب نفسه واتهمها بالخذلان فى البحث والمعرفة وفشله الذريع للوصول من أين يأتى (ابن سلام) بهذه الأموال.
ــ فكر فى الإنخراط مع الشباب المنفلت والمنغمس فى أفعال البلطجة والنصب ليحقق مأربه.
ــ مَثُلَ أمامهِ ُإنحناء ظهر أبيه والشبكة الصوف الملفوفة حول وسطه المخلوع ليوفر له سبل الراحة والتفوق.
ــ تراجع
ــ دخل امتحانات الثانوية العامة واثق(واثقا) من نفسه.. تذكر مقولة مدرس الكيمياء فى أول حصة دخل فيها الفصل :ــ
(لكل شىء سبباً..(سببٌ) عدا الخالق سبحانه وتعالى, والمادة لا تفنى, ولا تستحدث من عدم بل تتحول من صورة إلى أخرى).
ــ عندها ركز فيما(في ما) بين يديه, وتأكد أنه لا يملك الخصائص التى يمتلكها (ابن سلام) خريج دبلوم الزراعة وأن ما يطلبه من بحار المعرفة سيجده هناك بالجامعة.
انكب على الكتب الدراسية وظل ينهل منها حتى يحافظ على التفوق ويكون فى بؤرة جلسات (المصاطب) وألسنة الحكائين هناك بقريته النائية.
***
قبل أن تُعلن نتيجة الثانوية العامة كانت الحكايا تسرى كالنار فى الهشيم حول (شوقى سلام) بعدما ضاعف مساحة أرضه الزراعية للمرة الثانية فى الثلاث سنوات الماضية ليعادل ما يملكه والده من أطيان زراعية.
عند إعلان نتيجة الثانوية العامة وحصوله على الترتيب الأول على مستوى المحافظة ظن أن دفة الحكايا ستتجه حوله على (المصاطب) ولكن هيهات.. فأخبار زوجة (شوقي ابن سلام) ذاع صيتها بالقرية والقرى المجاورة بعدما أنجبت ثلاث توائم وتحولت دفة الحكايا عليها حتى غطت على حكايا “نكسة67″.
رويداً رويداً انقطع حبل الحكاوى الذاتية, وتركزت حول الثأر, وحتمية تحرير الأرض من المحتل الصهيوني.
ــ غادر القرية وبندرها مطأطئ الرأس بمفرده يحمل أوراقه إلى كلية الهندسة جامعة القاهرة.. قدمها وحجز له مكاناً بالمدينة الجامعية.
ــ تبدلت الأولويات وتغيرت الأحلام وتوارت الحكايا السمجة التي كانت دائرة على (المصاطب) حل محلها حكاوي أخرى .
***
قبل تخرجه بعام كانت القوات المسلحة (قد)دحرت العدو الصهيونى واستعاد (ت)الأرض المحتلة، وتبدلت الأفكار وتوارت حكاوى (ابن سلام) من الذاكرة, ونما بداخله حلم حصوله على مرتبة الشرف الأولى والدراسات العليا.
لم يقف الطموح عند تعينه كمعيد بالجامعة بل سافر فى بعثة دراسية للولايات المتحدة الأمريكية.
سنوات قلائل حقق درجة الدكتوراة فى”التعدين” تخصص الفوسفات بنفس التفوق.
فى أول زيارة إلى قريته النائية.. جلس كثيراً على (المصاطب) حاول جمع الحكاوى التى كانت تنسج حول (شوقى سلام) وزوجته فى صعيد واحد في كتاب.. بعدما تبين لهم أن كل ما قيل فهلوة و نصب وضحك (نصبا وضحكا )على الذقون، والتجارة في الممنوع كان(كانت) الأساس.

السابق
المسؤولية
التالي
ناموس

اترك تعليقاً