القصة القصيرة

فى المحكمـة !

أخي الوحيد .. شاب صغير غض .. بنظري هورجل متزن ناضج .. إبتلاه الله بفهم وممارسة السياسة .. ولأن هذا ممنوعا في بلادنا .. أخذوه عنوة هؤلاء الرجال غلاظ القلب والسحنة .. مرتدين السواد في ليلة مظلمة ..
حاصروا منزلنا في الفجر .. كادوا يحطموا بابنا وأفزعوا الحي كله .. احتلوا المنزل بسرعة وأحذوا يصرخواو يزمجروا وعيونهم مشرعة بنظرات شذرة .. أوحت بعواقب وخيمة إهتز لها قلبي ..
دخلواغرفته مباشرة كمن يعرف تفاصيل المكان .. بقسوة شديدة إقتادوه بملابس النوم مع حاسوبه واوراقه ..
منعونا من وداع الأشقاء .. لم يرقوا لتوسلات أبي لوداع إبنه .. لانعلم لماذا يأخذونه أو لأين يذهبوا به .. أصرخ ملتاعة كأنهم خلعوا قلبي من جنبي .. أصرخ فيلتفت لنا يحاول أن يطمئننا ..
طالت رحلتنا ستة أشهر مع الاقسام والسجون .. حفيت أقدامنا أناو أبي الستيني مريض الضغط والسكر .. نجوب الأماكن التي يمكن أن نجده فيها .. وبقينا بلا راحة وضاع الوقت والجهد .. دائما أضطرلترك عملي .. لم يسعفنا إلا الأمل والدعاء بسلامته .. حتى علمنا أخيرا بمكانه وتحددت جلسة محاكمته ..
ولذل جميع المتهمين وأهلهم ومحامييهم .. تنقلت المحكمة من مكان لآخر .. نعرف في اللحظات الأخيرة .. بذلنا جهدا خارقا للوصول إليها .. فوضى وحصار أمني حول المكان يمنع الداخلين من الوصول للقاعة ..
نتدافع بالباب حتى دخلنا بعد وقت طويل .. المكان مزدحم بالمحامين وأهالي المتهمين ..
كانت لهفتنا على أخي صاحب العشرون ربيعا كبيرة جدا .. مسرعة جريت عليه وحاولت التحدث معه .. معصوب العينين ككل الشباب بالقفص .. آثار السجن بادية عليهم جميعا .. هلعي عليك إبني ماذا حدث .. راحت بسمة وجهه .. وجسمه الرياضي ذبل وداهمته الشيخوخة .. إنفطر قلبي عليه وكساني حزن عميق .. لم أعد قلقة الآن على مستقبله .. فرعبي الحقيقي على حياته ..
ممنوع الإقتراب .. جملة صكت أذنى وجعلتني أنتفض من مكاني .. رغم قربي منه لاأستطيع أن أشعره بوجودنا بجانبه ..أنا وأبي الذي إنشغل بالحديث مع المحامي .. توسلت للجندي متذللة وكدت أقبل قدمه ..
ناولته كل ما معي من نقود لعله يرضى .. جرني من يدي وأنا أتشبث بالأرض .. أدخلني قسرا للحجز .. أحسست إني أكاد أموت إختناقا .. ناديت أبي صارخة .. تفاهم معه وخلصني من الحجز بأعجوبة ..
أخي صاحب الهمة العالية .. يبكي ويحكي ما حدث لهم من أهوال .. طلب دواء كثيرا متعددا وملابس .. وأخيرا تأجلت الجلسة لشهر قادم .. تركناه متألمين بأمل أن نزوره بالسجن ..
تباطأ أبي في دخول الصيدلية .. طلب مني دفع قيمة الدواء .. أخرسني عجزه وأخرجت كل ما كان معي ..
لم يكف المبلغ لسداد قيمة الدواء .. نظرت لأبي في حيرة .. وسألته :
– أين النقود التي كانت معك ؟
– أعطيتها كلها للعسكري ..
– أعطيته كل ما نملك لآخر الشهر ؟..
همست لأبي متسائلة .. أجابني صمته فبكيت وإحتضنته .. أحسست بقهر يجتاح عمري الماضي والحاضر .. أخشى منه على المستقبل .. صرخت بأعلى صوتي الذي إحتبس في حلقي .. يسقط الظلم .. ويسقط الظالم ..
تشاغل عنا الصيدلي وأدارظهره .. تنازل عن باقي ثمن الدواء الذي لم ندفعه ..

السابق
زمن الجفاف
التالي
ارتباط

اترك تعليقاً