القصة القصيرة

في الطابور

تصفَّح وجوه الواقفين في الصفِّ، بدتْ له ممتقعة اللون، البعضُ يقضم أظافره بأسنانه أو يطقطقُ أصابعَه في قلق، آخرون يدقُّون الأرض بأقدامهم في عصبية، النظرات الزائغة تترقب لحظة الإذن بالدخول.
لا تسلْ عن فرحته، حين وافق والده على خروجه للفُسحة مع أصدقائه، بعد انتهاء فصل دراسي ممل، اقترعوا على مكان للتنزه، الأماكن التقليدية باءت بأقلِّ الأصوات تأييدًا، فاز بيت الرُّعب بأغلبية الأصوات، اضطر للقبول مُرغمًا لئلا يُعيروه بالجبن، تنازعته مشاعرُ الرَّهبة والفضول، انتظم في طابور الانتظار، ريثما يخرج الفوج السابق، ويخلو لهم المكان، وقف المرشد يتلو تعليمات السلامة، ويحدد مدة العرض، تحسس تذكرة الدخول في جيبه.
بدا ضوء خافتٌ في المدخل يُضيء ويختفي، كتم صرخة هلع كادت تندُّ عنه، حين التقطت عيناه على البعد غوريللا عملاقة قادمة تجاهه، تدقُّ بيديها على صدرها في غضب، وقد فتحت شِدقيها الحمراوين، حتى بدتْ نواجذها المخيفة.
أحنى رأسه في اللحظة المناسبة، قبل أن يمسكَ بعنقه هيكلٌ عظمي مُريع، يمدُّ ذراعيه الطويلتين الخاليتين مِن اللحم، ويتخبط في مِشيته المترنحة كالمذبوح، بينما ضحكاته الرَّهيبة تخلع القلوب، وتجلجل في أرجاء المكان.
أشاح بوجهه، حين اندفع تجاهه سربُ خفافيش ماصَّة للدماء، كاد أحدها يلامس وجهه بجناحه، تسمَّر في مقعده بالعربة المكشوفة، وانكمش على نفسه، حين انفرج السِّتار عن أسد هائل مكشرًا عن أنيابه، يتثاءب ويتمطى، ثم يزأر، فيصمّ زئيره الآذان، ويملأ القلوب رعبًا، ما إنْ تجاوزه، حتى تقافزت على كتفيه بضعة فئران مسرعة، اقشعر لملمسها بدنُه، يطاردها هِرٌّ ضخم، لم يرَ مثله في بشاعته، تلمع عيناه الفوسفوريتان في الظلام.
زحف ثعبانٌ طويل عظيم الرأس، رهيب المنظر، من الجانب الأيمن للعربة، وتدلَّى ببطء، نازلًا من الجانب الآخر، تابعته عيناه المذعورتان، بنما فحيحه تقشعرُّ له الأبدان، حتى اختفى عن ناظريه.
في آخر الممر، وقف ماردٌ ملثمٌ، بعصابة القراصنة السوداء على إحدى عينيه، ينتظر وصوله، شاهرًا سيفًا مصقولًا بيده السليمة، ويشير له بالذبح بيده الأخرى المبتورة الكفّ، والمنتهية بخطَّاف حديدي بشع، وعينه السليمة تقدح الشرر، وقد برزت عضلات صدره العاري، حين اقترب منه أغمض عينيه خوفًا وهلعًا، ورفع يديه بحركة لا إرادية؛ ليتقي ضربة السيف المُصلَت.
أفاق على يد صاحبه، تمسكه بقوة، وهو يهمس في أذنه:
– مهما حدث بالداخل فلا تخفْ، لقد حضرنا هذا العرض مِن قبلُ بضعَ مرات، هيا تحرّك يا بطل!.

السابق
ضباب
التالي
تغافل

اترك تعليقاً