القصة القصيرة

في حضرة جنون مزاجي

“قد تصوّرتُ بوضوحٍ تام أن الحياة والعالم الآن إنّما يتعلّقانِ بي، ويمكنني أن أقول: لكأنَ العالمَ قد وجدَ لأجلي وحدي، فيكفي أن أطلقَ النارَ عليّ حتى يختفي العالم ولا يعودُ موجوداً، على الأقل بالنسبةِ لي؛ ولا أقول الآن أن لا شيءَ سيبقى في حقيقة الأمر للجميع من بعدي أنا،وما أن ينطفئُ وَعيـي حتى يتلاشى العالَمُ كلّهُ في اللحظةِ نفسها كما يتلاشى شبح، لأن كل هذا ينتمي إلى وعيي أنا وحدي، رُبّما لأن هذا العالم كُلّه،والناسُ كُلّهم ليسوا سوى (أنا) وحدي..”
حلم رجل مضحك …فيودور دوستويفسكي

النجوم ثملة والعواء يربكني .انزع الغطاء عن جسدي ،ارجعه،آتي بغيره،اصرخ ،أئن ،أبكي، أتألم،أصلي،أفتح قنينة، ألقي بما فيها في جوفي المحترق، أقبل سيدة الجنون،أسمع تصفيقات.يخبرني اللاشيء أنها تصفيقات الشياطين وقد أتمت صلواتها ذات الطقوس الإلاهية الفائضة عن حاجة المؤمنين. أصرخ بقوة الرعد الورقي ووحوش الحجر والبرونز الجاثمة في هوامش اللوفر العتيق ,,لا تصفقوا ,,,لا تصفقوا,,يرتد الصدى مجيبا بتحد,,صفقوا ,,,صفقوا,,,صف,,,أترنح من الخوف الممزوج بذرات غضب سرعان ما تنصهر باحثة لنفسها عن هوية أخرى غير انتمائها الأصلي .
يصفعني الشيطان على خدي الأيسر، بغباء ظاهر أدير له خدي الأيمن. يتعاظم الغباء مطالبا حلفاءه من مدن البله والبلادة لمساندته في معركته السرمدية هاته ،فأكتشف على النمط الفجائي أن ما ظننته عدو السماء الأول لم يكن غير خيط دخان، تسرب من سيجارتي التي تنتحر بين أناملي، موثرة الموت البطيء على البغج بحذائي .
أستحضر حياتي الدنيا ،فأصير عمرا من الغضب، أصرخ ،أئن، أسجد ،أتعبد، وبين السجدات الروتينية والضرب على قيثارتي ذات النغم المتوحد، نغم المأساة والحنين لإنسان نيتشه،وحوار الجسد بين افلاطون وجنية من جنيات الإغريق،كنت أعانق القنينة المسربلة بالخضرة، أقبلها، أسرح في جسدها، أتوسل إليها أن تسكن ذاكرة الأحزان والهموم ، أسألها الوفاء لقصائد ونصوص خطها أجدادي البائدين على جبيني ،وقد أوهمهم خطا في حسابات الطبيعة إني ابن إله أوشك على الرحيل ،فسارع لإعلان مراسيم الاحتفال بالعظيم الجديد..أتمثل لحظتئذ القدر ينفخ فيه وهم القيثارة روحا سرقت خلسة من روحي .
أحمل سيدة الخضرة والجنون الجميل بكلتا يدي ،أحيي بها عربدة الذهن ،لعبة الحب التائه بين المدن كسندباد بري. تخرج كف شيطانية لتلكمني، أتمايل من هول الضربة، أترنح موثرا الحرب الداخلية على نقل تمثلاتي لعالم العظام واللحم المتآكل، أتذكر كل الضربات التي تلقيتها من ذوي الدماء الحمراء،أستشف لحظة نوستالجيا مندثرة أن اللكمة صراخ القدر المغتصب .
تلكمني الكف ثانية ،أتحسس موقع اللكمة بروية، ترفض الصرخة أن تنوجد ،الجرح صار بئرا من الدماء واللكمة أنجبت الف شرخ مما تعدون ،أغويت صرخة من صرخاتي التائهة في جسد الكتمان المهترئ بشرخ أكبر من إخوته، أعمق من كل النماذج اللحمية التي تؤثث فضاء الجسد الخفيف كطبشور لا يرسم إلا ظل العنب .
أصرخ
أحبك سيدة الجنون والخضرة، أعشقك يا من تحوي بين صدرها جثث الفردوس البضة، ودكاكين الأحلام المجانية، آهات العشاق المختبئين بين النهر والقصب، شمسا ،وطنا ،قمرا لا يضيء تمردا على نواميس السماء، أغنية لإغواء المؤمنين والسيوف المذهبة القبضات .عنت القنينية حينها ,اصرخ ثانية عل الجواب يأتيني مسربلا بأجساد النساء الشبقيات ,,ويحك أيها الفضاء الزجاجي الأخضر إنني كابوس الكوابيس دونك والعالم سراب ليس إلا ,,سيدة الجنون والتيه الذهني اللذيذ أرغبك، أحبك حبا محملا بجميع مفاهيم اللغات و الحضارات ،حبا منتقى بعناية السماء ،كلماته أروع الحروف التي تسبح بحرية وروية لذيذة في قواميس الإنس والجن وما بينهما.

يرد الركن الأيسر من غرفتي المدثرة بالسواد و الصدى التائه.. أحب.. أح، يشتد غضبي، تصعد دماء هائجة إلى وجنتي في استعراض عسكري مريع، معلنة الحرب الأبدية ومطالبة إياي بالجهاد وحمل مشعل القضية التي تخلى عنها رواد الخضرة والجنون، قضية حب ميتافيزيقي خالص
بزهو جنرال يستشعر ضغطات الحذاء العسكري وثقل البندقية والنياشين، أرفع صوتي في تهديد للإنسانية جمعاء.. من يحب القنينة الخضراء غيري كافر والسيف مصيره ..القنينة الخضراء عقيدتي .
لكنها ترفضني تصيرني رقما ممتلئا بالأ صفار في لائحة عشاقها ،، أنسى جبروت العسكر وأحملها، أضغطها بكلتا يدي، أجعل فمها يلتصق رغما عنها بفمي، ترفض، ينفتح الفم الشبقي الأخضر، يصير جبا عميقا أتذكر يوسف النبي، أرمي بها بعيدا.أضطر للتفاوض مع الكائن الناري الثائر الأول، ذاك العفريت الآتي مما لا نتصوره، اه كم يعجبني وهو ماسكا بقلم رصاص مهترئ، ممتطيا صهوة كرسي مهترئ، متصفحا بعناية فائقة رأس مال ماركس .أعترف أنها لحظة وجودية، سيضحي التاريخ بكل المداد الذي أساله ليدونها، لحظة لا تحدث دوما وأغلب الظن أنها تنوجد مباشرة قبل نهاية الزمن وقبيل ارتداد فلاسفة الوجود عن العود الأبدي ..نيتشه ايها الجرماني التعيس ألم تجد غيرها لتحب ؟ ألم تجد غير الافتراء لتدونه؟
أيها السفير الغاضب ، أنا أيضا مثلك أنا أيضا، لا شيء منحدر من لا شيء وماض نحو قبر الخضرة والتيه والجنون، كان حينها يتأملني بتركيز شديد كمقاتل روماني، يبحث عن نقاط ضعف غريمه، يرتد عن التأمل. حول تركيزه نحو الكتاب الأحمر الجامع بين دفتيه كل أسماء الفلاحين والعمال. كان اهتمامه إنسانيا أكثر مما اعتدت. تخترق رأسي فكرة مجنونة لا أدري مصدرها فأوثر الانحدار الأخلاقي.
أنذاك أعزم على إخراجه من سلامه الداخلي وأرجوه الخروج من فضاء ذاكرتي مؤكدا أني تابعه المخلص الذي لا يحلم بفردوس الميتافيزيقا ولا خلود الذاكرة، يتقمص شخصية قاضي القضاة بعد ضربات متتالية بمطرقة ذهبية يقرأ الحكم : تيهك هو الجب الذي لمحته قبلا وكل الأنبياء سكيرون والكون بلا بوصلة والأخلاق تسكن مؤخرة السماء.
أحمل القنينة محاولا الوقوف ،أتمايل ثملا لكني مصر على الصراع، رغبة بمنتهى النبل تحضرني: سأبرهن له على تفوقنا نحن معشر البشر على كائنات المادة والذهن والوجود واللاوجود والممكن الوجود.
أنزع قلبي أرمي به في قمامة تاريخي الشخصي ألمح بالقرب مني تيهان المادة والروح .ووحيدا، وحيدا أصارع ظلامه الأبدي .لا شيء عاد يربطني بمقاييس الفكر والسلوك.
في لحظة أنانية مفرطة ترنو إلى الاستلاب فكرا والتدجين سلوكا ،أتلعثم بكلمات أدرك انصهارها القريب: يا سيد التيه، أيها الزاهد في روعة الإيمان. في حضرتك تتلعثم الكلمات وتتشابك القواميس..
بفكر شيطاني يدرك الحيلة، تتبدد الحروف، يضربني، أطعنه بالقنينة المسومة، يندثر، يسكن دخان سيجارة لا ترغب الموت، أرمي بالقنينة بعيدا علها تتخذ شكلها الإنساني، تصفعني أتالم تهددني بتفجير قطراتها التي تسكن جوفي، أغضب كمشرقي، ألكمها، تتمايل متراجعة إلى الوراء ،ألمح التاريخ يودع ذاكرته .وفي استرسال الصور تطعنني سيدة الجنون بمذراة ، تفور الدماء الزرقاء من مسام جسدي..
تيهي الجميل لم يكن غير خيط دخان صنعه الشيطان. صرخت أشباح ألفت التسكع بغرفتي: أنت وحيد،، وحيد ورجال أهملوا مظاهرهم وتركوا لحاهم تسترسل. أجيب: معي أحبائي من “ال بويندبا” فرسان العزلة والشقاء، أبطال اللامنطق، معي تيهي الذي يسكنني وأسكنه.
تضحك وجوه ألفت الاصطدام بها تتشوه ملامحها مع كل لحظة: تيهك مضرج بلوثات العالم، يسكن هامشا مليئا بالرطوبة ،يدخن آخر سجائره. تيهك خيط دخان اندثر ليبحث عن تيهه هو الآخر .أصرخ أتاوه، أئن .وكان الزمن حينها يمضي باتجاه البحر دفعة واحدة. ياله من زمن سريع
ولا بديل عنه، لا نستطيع ان نصنع فيه غير إيماءات الدهشة .
الصوت الكريه يتحدى النواميس البشرية :سيان أنت فقلبك ينبض .أسرع إلى قمامة الزبالة حيث تنبض قطعة اللحم تلك وسط المسودات. حملته بين يدي كبرته جيدا ،وبين وسطاي وسبابتي كانت هنالك سيجارة قد انتصفت.
لحظة جنون أجبرتني على الصراخ: لن يحيط بنا الهواء دائما فكل شيء أيها اللاشيء إلى زوال، فلنستبق الزمن إذن .
كنت حينها أقيم مراسيم المحاكمة الميتافيزيقة ،وكانت حينها الأنفاس المتقطعة قد توقفت ،وكانت السلالم تتدلى من السماء ،وكان أحدهم ينشد:
“دليت سلالم السماء من أجله كي تمكنه الصعود إليها
فيا أيتها الآلهة احملي بأذرعك الملك
ارفعيه واصعدي به إلى السماء

إلى السماء إلى السماء “(*)

(*) ترنيمة لفرعون مصري(مصر260 قبل الميلاد)

السابق
طموح
التالي
بكاء الأنين

اترك تعليقاً