القصة القصيرة

قارورة العطر

كنتُ كلّ أسبوع أمرّ على (رحيمة) وأنا في طريقي لزيارة والدتي..
.كان بيتهم ملاصقا لبيتنا وكنت أجدها أمام البيت تجلس على مقعد بلاستيكي منخفض وتحرّك قطعا خشبية أمامها…تركّبها فوق بعضها….ثم تفرقها من جديد…تفعل ذلك بلا مبالاة..وكأنها لا تجد شيئا آخر تفعله…وهل تجد شيئا آخر..؟؟ فوالدها رفض تسجيلها في المدرسة التي توافق حالتها..وبرّر موقفه الغريب ببعد المدرسة وبخوفه عليها..؟؟
وعندما كانت (رحيمة ) تراني قادمة كانت تبتسمُ ابتسامة جميلة تضئ شيئا ما وجهها الشاحب…وتلطّف من جحوظ عينيها الواضح….
كانت (رحيمة) الملقّبة بالمنغولية تعاني بالإضافة إلى(منغوليتها) من زيادة إفراز الغدة الدرقية…لذلك كانت عيناها جاحظتين وحركاتها بطيئة ولا تناسب عمرها..الذي قارب الخامسة عشر ربيعا
لم تكن رحيمة تتقبل من أحد شيئا …وخاصة النقود وأعتقد أنها لم تكن تفهم لها معنى…ونادرا ما كانت تتكلم مع أحد ماعدا والدتها….كلمات أغلبها إشارات وحركات تفهمها الوالدة وحدها لا غير
وفي ذلك اليوم قبل سنة تقريبا وعندما مررتُ أمام بيتهم وابتسمت لي تلك الابتسامة…سألتها
هل أنت بخير؟؟
لم تجبْ ولكنها أشارت إلىّ بيدها ثم أشارت إلى أنفها بعلامة استحسان..؟؟
قلت لها
أعجبك عطري؟؟
هزتْ رأسها بالإيجاب
عندها فتحتُ حقيبتي وأخرجت قارورة العطر الباريسي ورششتُ شيئا منه على صدرها وعنقها بينما كانت تبتسم وهي تتشمم رائحته من يديها بعد أن تتلمس صدرها وعنقها..
هممتُ بردّ القارورة بعد ذلك إلى حقيبتي ..لكن فكرة لمعت في رأسي جعلتني أسلّم تلك القارورة لرحيمة…ولدهشتي أخذتْها مني وقد بان على محياّها سرور غريب لم أعهده منها…؟؟
قبل نهاية الأسبوع من الحادثة وقبل أن تحين زيارتي الموالية لوالدتي …اتصلتْ بي( الوالدة)
وسمعتُ صوتها المتأثر يأتيني بالنبأ المحزن
أتدرين؟؟ ماتت رحيمة؟؟…
فُوجئتُ وسألتُها بتأثر أيضا ..متى؟؟
قالت ليلة أمس سيتمّ دفنها هذا الصباح ؟؟؟
بعد عودتي من عملي سارعت إلى بيت رحيمة…ووجدته يمتلئ بالمعزين
كانت والدتها مقرفصة على (مطرح ) وسط المعزيّات وعندما اقتربتُ منها لتعزيتها قالت لي بصوت خفيض
أتدرين ماذا فعلت رحيمة قبل أن تموت؟؟
وقبل أن أجيب أضافتْ
طلبتْ أن تستحمّ ثم صبّت كل محتوى القارورة التي أعطيتِها على جسدها…وماتت بعد لحظات من ذلك……؟؟
الآن وكلما مررتُ أمام بيتها عند زيارتي العادية لوالدتي يُخيل إلى إنني أشم رائحة ذلك العطر الباريسي الذي كنت أحبه كثيرا….رغم أنني غيرت(ماركته) منذ وفاة تلك الطفلة المباركة…ويخيل إلي أيضا أنني ألمح وجهها البريئ وتلك الابتسامة الشاحبة على شفيتها
6 _ 7 _ 2014
توضيح
المطرح: فراش من الصوف

السابق
صديقي الحسون
التالي
أشْلاَءُ حُلْمٍ تَلاَشَتْ خَلْفَ التِّلاَلِ

اترك تعليقاً