قراءات

قراءة في قصة “صمت وظلماء”

للقاص نجيب الخالدي
رابط القصة على مجلة قصيرة من هنا
قصة قصيرة نموذجية .. لفت انتباهى الحيادية التامة التى تعامل بها الكاتب مع شخصيات القصة . يعرف الكاتب المبدع كيف يخفى نفسه بمهارة بين طيات السرد . الكاتب مثل الطبيعة , لا يعرف الحلال والحرام , والقيم الأخلاقية هى من مواضعات البشر ( النسبى ) , أما الكاتب فهو فى مصاف ( المطلق ) .. يبسط الكاتب موضوعه ويدع الأحكام للمتلقى دون أى تدخل منه . تلك هى روح القصة القصيرة . وذلك هو شأن الفن عموما . يسيل لعاب البنت كلما مرت على الحلوى التى تحبها فى طريق الشوك الذى تقطعه يوميا , حيث يدفعها أب قاس لا يعرف الرحمة ولا التقوى لتبيع أغراضه . تفرش ملاءتها , وترص البضاعة وترجو البيع , والا فان فى انتظارها الحزام الجلدى يرصع ظهرها أن لم تفرغ محتويات القفة . يبخل عليها حتى بحذاء يناسب وعورة الطريق بعد أن صارت هزأة بين أترابها برائحة الحذاء الذى بلى وضاق . تزود عنها امها , وتدفع عنها اذى الأب المتوحش اذ يجلد جسدهاعند أقل تقصير . لكنها تغفل عنها اذ يهبط الليل . فيتسلل الوغد ينتهك جسد البنت , ويلوثها . لا يستحى النذل من اظهار رغبته وشبقه فى وضح النهار , فتزجره الأم وتدفعه واصفة اياه بأقبح الصفات فينسحب صاغرا . ولكن من للصبية عندما يسدل الليل سدوله وتنقلب الأم مغشى عليها من سعيها طيلة النهار لرعاية بيت غفل عنه ربه وصاحبه ؟ .. لكن الصبية لا يشغل بالها الا التدبير لاختلاس قروش من حصيلة البيع تبتاع بها الحلوى التى راودتها وأسالت لعابها , وهى تخوض صراعا داخليا من أجل اقناع نفسها بأن ما هى مقدمة عليه ليس حراما , ولا يعد سرقة , ان هو الا بعض حقها الذى لا تحصل عليه لقاء جهدها وسعيها ودأبها فى بيع البضاعة , وهى ترجو ألا ينتبه الأب القاسى الى ماتدبر لاختلاسه من قروش . والمفارقة الحادة مابين السطو المأساوى على براءة الطفلة , واغتصابها شبه اليومى ممن أوكل اليه رعايتها وصيانتها , وبين الحلم الساذج والصراع الطفولى التذى تعانيه الصبية , يكمن فى تلك المفارقة جوهر القصة . وتكشف تلك المفارقة مدى التردى الانسانى والحضارى الذى تعيشه قطاعات من البشر تحت وطأة الجهل والفقر المادى والروحى . وينقلنا النص فى مستوى تالى للتلقى الى المأزق الذى يواجهه العصر , ومدى نجاح منظومة القيم التى تبنتها المؤسسات المعاصرة . اذ بينما يلهث التقدم الصناعى والتكنولوجى الى آفاق بات من غير الميسور التكهن بالمدى الذى سوف تصل اليه , تغفل تلك المؤسسات عن السوس الذى ينخر فى أصل وأساس المجتمعات الانسانية حتى لينتج لنا تلك النماذج البشرية المغرقة فى الانحطاط . كما يغفل عن انتهاك انسانية الانسان ممثلا فى تلك الصبية البريئة التى يمتص منها رحيق الحياة , بينما هى لا تحلم الا بقطعة حلوى . قصة رائعة صيغت بأسلوب غاية فى الرقى . استخدام راق للغة . وانتقال رائع وسلس بين مفاصل السرد . اهتمام الكاتب بالتفاصيل الدقيقة منح القصة مصداقية . ووشى بمدى اندماج الكاتب مع نصه ومعايشته للحالة . منحنا الصدق الفنى شخصيات حيه حتى لتكاد تلحظها تتحرك حية بين السطور . وبرع الكاتب فى استخدام اللغة المكثفة الموحية كما فى العبارة ( يده تزم شفتيها , والشوك ينغرس من جديد فى صدرها وبين فخذيها …. الخ ) أغنت تلك العبارة الوصفية الشاملة عن الكثير من السرد والإطناب . كما وشت بالمعايشة الكاملة للحظة المعاشة . وأوحت كلمة ( من جديد ) بتكرار الفعل يوما بعد يوم . وهكذا تمكن اللغة المطواعة الكاتب من الايجاز والبلاغة فى التوصيل فى آن .. تحياتى للكاتب الأديب المبدع نجيب الخالدى .

السابق
دهاء
التالي
مجدرة بالزبد الفرنسي

اترك تعليقاً