قراءات

قراءة في قصة “قراءة”

للقاص عبد الرحيم التدلاوي
نص القصة
الصفحة الأخيرة من كتاب الموتى.
كانت بيضاء
إلا من اسمي:
عبدالرحيم التدلاوي.

رابط القصة على مجلة قصيرة من هنا
يعد الأديب القدير عبد الرحيم التدلاوى فى ظنى واحد من أبرع من كتبوا الومضة بعيدا عن النمطية السائدة بين كتاب هذا الفن المستحدث . هو يكتبها بوعى وحنكة , يعضده مخزون ثقافى ومعرفى يمنح نصوصه أكثر من مستوى للتلقى . تعرفت اليه من اشارة صديقى عمر حمش الى أحد نصوصه ( روح ) . ثم هاأنا ألتقى به هنا فأطلع على بعض أعماله . ( التمطى ) ( ذبول ) ( طوفان ) ( معاكسة ) .. فيتأكد ظنى . والنص المطروح بعنوان ( قراءة ) هو الذى استوقفنى من بين نصوصه نظرا لتمتعه باتساع أفق التأويل رغم محدودية كلمات النص الذى لا يتجاوز ثلاثة عشر كلمة . وتلك مساحة لا يستطيع الا الكاتب المتمكن من أن يطرح فيها قضية جديرة بالتأمل . فكتاب الموتى هو أقدم النصوص الدينية التى عرفها البشر , وضع فى عصر بناة الأهرامات ويتضمن مجموعة من التعاويذ والطقوس التى تساعد الميت فى اجتياز رحلته الى عالم الآخرة . والنص فى مجمله كان حريا به أن يمثل مجرد خبر استاتيكى لولا اللفظ المحورى ( كان ) الذى يمد النص بطاقة الفعل . فهو يمنح المتلقى الإيحاء بأن الحقيقة التى صيغت بشكل خبرى هى امتداد أو نتيجة لسعى سابق من قبل الراوى . فإذا أدركنا أن المصرى القديم من سراة القوم كان حريصا على تكليف أحد الكهنة بتجهيز كتاب موتى له يذكر فيه اسمه واسم أبوه وأمه استعدادا للرحيل . وكان مما يذكر فيما يسمى بالاعتراف بالنفى ( لم أظلم أحدا . ولم أحنث فى يمين . وما قتلت , وما غدرت . لم أسرق من المعابد خبزها , ولم أرتكب الفحشاء . ولم أدنس شيئا مقدسا …. الخ ) . لأدركنا أن النص فى مستواه الأدنى وثيقة يعلن بها كاتب النص بياض صفحته , وجلاء سريرته , تشى بذلك نغمة الاطمئنان والتسليم التى انتهى بها النص . كما تلمح الاحساس بالتفرد والعزلة فى العبارة ( الا من اسمى ) وهذا يحيلنا الى مستوى أبعد من التلقى والذى يتناول قضية الثواب والعقاب بالمفهوم الدينى . فكتاب الموتى بعيدا عن الاشارة الى الأثر التراثى , يمكنه أن يحيلنا الى تناص مع الآية 14 من سورة الاسراء ( اقرأ كتابك , كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا )..ورغم تماس التأويلين الا أن قدرة النص على تعدد الاحالات يشى بتمكن وثقافة الكاتب وقدرته على توظيف المخزون المعرفى . كما يمكن الانتفال الى مستوى أبعد من التلقى اذا نحينا الاحالة الى كلا من التراثين التاريخى والدينى . وتناولناالمصطلح بمعناه المعجمى جاز للمتلقى أن يتخيل سفرا ضخما تسجل فيه أسماء المواليد . وسفرا يساويه لتسجيل أسماء الأموات . فالكاتب يسجل حقيقة علمية تقضى بأن الكائنات تسجل فى سفر الموتى فى اللحظة نفسها التى تسجل فى سفر المواليد . والمعنى الثابت الذى يصاحب أى من تلك التأويلات هو احساس الكاتب بالتفرد والعزلة . نص جميل لكاتب يعى امكانيات التكثيف الهاللة دون أن يقع فى المباشرة الفجة أو التقرير الممل .. تحياتى للكاتب المبدع عبد الرحيم التدلاوى .

السابق
وعود
التالي
تواطؤ

تعليقان

أضف تعليقا ←

  1. تحدث الاستاذ محسن الطوخي عن الرصيد المعرفي والثقافي لصاحب النص القصصي الاستاذ عبد الرحيم التدلاوي، وأقول بدوري أن للاستاذ محسن الطوخي رصيد معرفي وثقافي غني ولولاه لما تمكن من الغوص في أعماق النص واستنباط ما يعجز عن مشاهدته الناظرون الى سطحه.
    تحية ود ومحبة لكما.

اترك تعليقاً