قراءات

قراءة في قصة “ميلاد”

للقاص يحيى أوهيبة
نص القصة
“ولد لقيطا، غسلوه في صندوق انتخاب، ثم منحوه شهادة ميلاد جديدة.”
رابط القصة على مجلة قصيرة من هنا
بني النص على دعائم فنية ،كل دعامة لها دلالة تؤشر على مرحلة زمنية ، والتي تشكل بدورها وضعية للبطل في مرحلة سابقة ،ومرحلة نهائية ، ويمكن اعتبار جملة / غسلوه في صندوق انتخاب / بؤرة النص لأنها شكلت مرحلة انتقالية بين المولد القديم والمولد الجديد ..
إنها وضعيات زمنية تتعلق بمسار البطل لكنه غير فاعل فيها ، فهو بطل تم إنتاجه وصناعته من طرف قوى خارجية لخدمة مصلحتهم وأهدافهم ..
ولد لقيطاً / يمكن أن تكون ولادته طبيعية ، والسارد عمد إلى استعمال كلمة / لقيط / فأخرجها من معناها الحقيقي وجعلها تنزاح نحو معنى مجازي ، بطل بدون مبدأ ولا أخلاق ، بدون مواقف .. فقد تعددت انتماءاته ،وتشعبت أفكاره ، وانتقل عبر تيارات فكرية وإيديولوجية وسياسية عديدة ، يميل حيث تميل الريح ، تابع للأقوى ،وبذلك أصبح انتهازياً ووصولياً ، فأصبح موجوداً في كل زمان ومكان ،وبذلك أتلف أصله وهويته ووطنيته فأصبح هجيناً في أفكاره ،و ” لقيطاً ” يفتقد إلى نسب ثقافي ونضالي .. غير ثابت على مبدأ أخلاقي وفكري أو موقف سياسي واضح .. إنه آت من منبت مملوء بالأشواك الدامية ، فقد تدرب وتعلم كيف يراوغ ويداهن ويداري وينافق حتى أتقن فن القول والسياسة ..
غسلوه في صندوق انتخاب،/ بدون شك أن هذا “البطل اللقيط ” الذي لم يلتقط اعتباطياً ،فقد اختير من طرف جماعته ،ثم تم تنظيفه من الأوساخ العالقة به ، عن طريق توليد مسار نظيف له ، ومحو المسار الوسخ /أصله / نسبه / ثقافته / انتماؤه /… فأشادوا به ،وأقاموا له تاريخاً مجيداً عن طريق الإعلام والصحافة ، خلقوا له صورة جديدة تليق بمقام تقدمه للانتخابات المقبلة .. فهم أعدوه للفوز قبل أن يفتح صندوق الانتخاب ، فهم نثروا أوساخه على الشرفاء بعدما غلطوا الناس ، فزوروا .. فكانت النتيجة لصالح البطل الذي التقط دون روية أو حكمة ،والواقع ، فرغم نجاحه فقد أوقعته جماعته في المصيدة ليكون ضحية وقت المحاسبة .. إنها ولادة جديدة ..؟
شهادة ميلاد جديدة / فعلا ، في هذه الشهادة الجديدة يمكن أن يغير اسمه ولقبه وسنه وتاريخ ولادته ، يمكن أن يمحو ماضيه ومواقفه ، يمكن أن يطمس مواقفه الخجولة ، يمكن أن ينتقي أصحابه ومعارفه ، يمكن أن يتعلم الأدب ، يمكن أن يحسن لغته وثقافته … وأخيراً يمكن أن يستنسخ شخصية جديدة كشهادة ميلاد جديدة ..
لا أدري ، هل صنع البطل تاريخاً لنفسه ..؟ أم صنعوا له تاريخاً ..؟ أعتقد أن هذا البطل ( اللقيط ؟ )وإن كانت الكلمة جارحة ، قد شارك في صناعة تاريخه بعدما استند على فئة تستأثر المصلحة الخاصة على المصلحة العامة .. ولم لا يكون ذكياً وقادراًعلى تخطي الصعاب ليصنع لنفسه مكانة اجتماعية مرموقة ….
أعجبت بهذا النص لأن الكاتب استطاع أن يحمله بدلالات عميقة تفيض من روحه وجسده ، بفنية أدبية متميزة اختزل واختصر وأجاز لكنه فتح ثقوباً عميقة في النص نستطيع أن نطل منها على العالم وما يجري فيه من تغيرات وتطورات فكرية وثقافية وسياسية واجتماعية تمس حياة الإنسان المعاصر ..

السابق
كواعب
التالي
كساد

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

  1. كل الشكر والعرفان والتقدير أستاذ بوعزة على هذه القراءة على نصي المتواضع، ومثل هذه القراءات التي نريد أن تكون في المجلة من أجل تفكيك واثراء النصوص القصصية، وأدعو كل من يملك موهبة القراءة والتفكيك أن يشارك معنا في اثراء النصوص.
    كل الشكر والتقدير مرة ثانية أستاذ بوعزة.

اترك تعليقاً