قراءات

قراءة في قصيدة “الخروج من الكهف”

القصيدة للكاتب فولاذ عبد الله الأنور

نص القصيدة على مجلة لملمة من هنا

القراءة

قلَّما يستوقفني عمل إبداعي جيد ، قصيدة ما ، أو قصة ، أو أي منتج فني جيد فضلاً على أن يشدني إليه قصراً ، وقليل هم من يحركون مشاعري ، ويثيرون وجداني بأقلامهم الجميلة التي تقطر شهداً ، فتنة وسحراً ، ومن هؤلاء الذين يأسرني قلمه ، ولا أستطيع أن أمر على عمله سرداً كان ، أو نثراً / الشاعر الكبير الخلوق هذا الإنسان الرائع المهذب المتميز الأستاذ // فولاذ عبد الله الأنور // ولا أريد أن أكثر وأسهب في الثناء والمديح ــ وهو أهل له ــ حتى لا ادخل تحت قول القائل ” من أكثر لك الثناء فقد ذمك ” .. قلت لا أستطيع أن أرى له نتاج فني ، مقال ، أو سرداً ، أو قصيدة دون أن أقف أمامها وقفة الناسك في محراب الجمال ، المتأمل في فلسفة الوجود ، وأسرار الكون، المستمتع باللغة الجميلة ، وبالأسلوب الرصين الفذ ، والصور الشعرية المبتكرة ، فأدخل في النشوة ، وتأخذني سكرة الحرف الجميل .. وسيرى قارئي العزيز صدق ما أقوله حين ندخل في أغوار القصيدة التي شدتني كغيرها من قصائده الرائعة ، فوجدتني أكتب عنها هذه الأسطر القليلة ، وأنا لست بناقد ، ولا أملك أدوات النقد ، غير أنه شيءٌ تسرّب في نفسي ، وداخلني بعض المشاعر والأحاسيس من خلال قراءتي لتلك القصيدة [ الخروج من الكهف ] وما تركته فيَّ من أثر ، تلك التحفة الفنية المتكاملة الأركان فأردت أن أتناولها من جانب التحليل النفسي ، وأن أشارك فيها أحبائي .. والقراء ولندخل في العمل مباشرة ، هذه المعزوفة الرائعة .. وتلك القصيدة المتميزة …. فأول ما يطالعنا فيها ، هو العنوان [ الخروج من الكهف ] هذا العنوان الذي يشبه الفانوس السحري ، وكما نعلم دائماً ، وكما يقال ، العنوان هو العتبة ، بل الباب الذي يدخل منه إلي العمل .. وكما يقال أيضاً الجواب بائن من عنوانه .. فلا نستطيع أن نَلِجَ إلي القصيدة إلا من خلال هذا ” العنوان ” [ الخروج من الكهف ] عنوان قوي وثري في معناه وفي دلالته من حيث ما يرمز إليه ، وما يشير ويدل عليه [ الخروج من الكهف ] .. وقفت أمامه كثيراً ، أسأل نفسي أي خروج ..؟! .. وأي كهف ..؟! .. مع انه جاء بالخروج معرفاً بالألف والآم ، وكذلك الكهف ، ومع ذلك يظل ، الخروج نكرة ، والكهف أيضاً نكرة ، خروج ماذا ، وأي كهف هذا ..؟! ومن الذي خرج ..؟! .. وماذا يقصد بالكهف هنا ..؟! .. فتجد نفسك عزيزي كما وجدتني في حيرة من أمري ، أُشرِّق ، وأُغرِّب ، وأحلل ، وأعلل ، وأضرب أخماساً في أسداسٍ ، وأتساءل معك ومع الشاعر ، ومع نفسي ، ومع ابني الصغير الذي كان لجواري ، حينما كنت أقرأ عليه القصيدة ، وأبين له بعضاً من معاني الكلمات الغامضة عليه لأقرِّبها إلي عقله الصغير الذي هو في سن المراهقة فوجدتني آتي له بكل التفاسير لهذا العنوان الخطير ، وكلها محتملة ، وواردة ، وربما ليست ما يعنيه الكاتب ، وإنما ذكرتُ ما داخلني من انطباع حيال هذا العنوان .. فالشاعر استعان بالتراث ، وتلك القصة القديمة التي جاءت في القران الكريم ، وجعل لها سورة بهذا الاسم سورة : ” الكهف ” وذُكر الكهف في هذه السورة أربعة مراتٍ ، في ” آية 9 وآية 10 وآية 11 وآية 16 ” .. في الآية الأولى يخبر الله نبيه ” صل الله عليه وسلم ” بأمر الفتية ، وفي الثانية يخبره كيف آوى الفتية إلي الكهف هرباً من بطش الطغيان وفراراً بدينهم من الظلم ، وفي الثالثة يخبر الله سبحانه وتعالى كيف ضرب على آذانهم في الكهف سنين عددا ، وفي الرابعة جاء على لسان الفتية “وإذْ اعتزلتُمُوهم وما يعبدون إلَّا الله فأوُوا إلي الكهف ينشر لكم ربكم من رحمتهِ ويُهيِّئْ لكم من أمركم مِّرفَقِّا ” وكانت المعجزة لهم ، ربما كان الشاعر يقصد شيءً من هذا ، .. وربما أراد بــ ” الخروج من الكهف ” الخروج المعنوي ، الخروج من الظلمة إلي النور، أو الخروج من الضلالة إلي الحق ، أو من تغيب الوعي إلي وعي مكتمل وناضج ، وربما كان يقصد شيءً آخر كان نائم في كهف أو متغيب وخرج .. وهكذا .. نجد العنوان يحتمل أوجه كثيرة ، من الدلالاتِ ، والمعاني …
ثم ندخل إلي القصيدةِ ، دخولنا إلي روضةٍ غنَّاء ، أو واحةٍ فيحاء ، ونتجول بين الشطرات كما نتجول في غابة كثيفة ملتفة الأشجار ، تلك التي تشبه الغابات المسحورة التي تطالعنا في كتب ألف ليلة وليلة ، فنجد الشاعر قد قسَّم قصيدته إلي مقاطع عشر، وفي كل مقطع من القصيدة ما فيه من الـ أنا الباحثة عن الذات والـ أنا الحائرة الخائفة القلقة حد الاضطراب ، فنجد الشاعر يقول في المقطع الأول وكأنه يريد أن يعرفك بنفسه ، ويأخذك معه إلي عالمه ، في رحلة داخل الذات الإنسانية ـ عموماً ــ تلك النفس المليئة بالتناقضات والاضطرابات النفسية المهولة الحائرة ، وخصوصاً في عصرنا الحديث ، فنراه يبدأ قصيدته بأداة الإشارة “هذا ” التي تفيد التعريف ليقول لك . وكأنه يجيب عن سؤالٍ تقديري افتراضي طُرح عليه … من أنت ..؟! .. وما بلدك ..؟! .. فيجيب :
هذا أنا مؤخراً وهذه هي البلدْ .. كأنه وصله ما بالسائل من دهشة وعدم الوصول إلي إجابة مقنعة شافية كافيه ، فراح يقول لنا وللسائل الافتراضي ، صعب الوصول إليَّ ، وصعب معرفة من أكون أنا ، ومهما كان من مقال لا تستطيع الوصل إلي معرفة الحقيقة الكاملة فــخرائط الوصول لا تنمّ عن مقالتي
وهنا يبين الشاعر ، من السائل الذي كان يسأله هذا السؤال المقدر ، ونعرف من كان يحدِّث الشاعر ، فيقول:

وحطّ طائرٌ قُبالتي
مُلتفتاً نحوي بقفزتين ثم طار، وابتعدْ !
لأين أنت ذاهبٌ يا أيها الولد ؟

وينهي الشاعر هذا المقطع بسؤال استفساري توبيخي لا ندري من الذي سأله لمن .؟.. هل الطائر الذي سأل الشاعر ..؟ .. أم الشاعر هو الذي سأل الطائر الذي حطَ قبالته ..؟.. أم أن الشاعر هو الذي سأل نفسه .؟.. أم سأل الولد الصغير الذي لم يزل يحمله بداخله والذي يأبى بأن يتخلي عنه يوما ….

هذا أنا مؤخراً وهذه هي البلدْ
خرائط الوصول لا تنمّ عن مقالتي
وحطّ طائرٌ قُبالتي
مُلتفتاً نحوي بقفزتين ثم طار، وابتعدْ !
لأين أنت ذاهبٌ يا أيها الولد ؟

وفي المقطع الثاني للقصيدة يأتي الشاعر بالجمل الخبرية في صيغ بلاغيةِ جميلة يُنزل فيها المستمع منزلة الجاهل بالخبر ليؤكد له الخبر ، ولم ينسي في آخر شطرتين في المقطع بأنه محب لماضيه ، يحن دائماً لذكرياته الجميلة التي مرت به والتي سرعان ما تغيب ثم تظهر له ويستشرف غيمها تهطل عليه وعلي الروح التوَّاقة للرجوع إلي الماضي الجميل بين الفينة والفينة والتي أثاره التي لم تزل باقية ، ويلوح له مثل غيمةٍ شاردة تُضيء بالقرى هنيهةً، وترتحـل .. فنراه يقول:

رائحة التراب لم تزلْ
وشجر النسيان بالمرصاد واقفٌ بلا مللْ
يُبدّل الأصداء والظلالْ
وأثرُ الماضي يلوحُ مثل غيمةٍ شاردةٍ،
تُضيء بالقرى هنيهةً، وترتحـلْ

ثم نرى الشاعر يستخدم المنطق ” الأرسطي ” ليقول لنا ليس هناك ثم شيء ثابت أو قطعي الدلالة والثبوت فكل احتمالات الهوى قائمة ، كما ليس في الحسبان شيءٌ راجح ، ثم يستنتج هو لنفسه قضية أخري بعدما أتي بهذه القضية المنطقية ليقول لنا ليس شيء حولي واضح ، ولا أحد ، ثم يعيد ليأتي بقضية منطقية أخرى ألا وهي .. وجائزٌ لو ميّتٌ أفاق من رقدتهِ، .. وسائرٌ على الطريق – بغتةً – رقدْ ، فيقول:

كل احتمالات الهوى قائمةٌ،
فليس في الحسبان شيٌ راجحٌ،
لا شيءَ حولي واضحٌ،
ولا أحدْ
وجائزٌ لو ميّتٌ أفاق من رقدتهِ،
وسائرٌ على الطريق – بغتةً – رقدْ

ثم يتدارك شاعرنا الأمر بعد ذلك ليقول لنفسه الحائرة القلقة التي تبحث عن المطلق ، وتلك الـ أنا التائهة في تيه الشك والحيرة أو ربما هو يريد أن يقول لنا أنا هو ، وهنا تحضرني مقولة ” السيد المسيح ” في العهد الجديد ” أنا هو الطريق والحق والحياة ، من جاء وطرق الباب أنا افتح له ” .اهـ … لكنني أنا هو …. هنا يشير إلي نفسه الشاكة بداخله إلي ” هذا الذي رآه خارجاً من كهفه . ومائلاً بمعطفه ، وداخلاً في جهةٍ من الأبد “.. ثم ينعته بصفات أخرى ” هذا الذي أراه كالصبيّ في فجر السلالاتِ ، وكالنبيّ في بدء الرسـالاتِ ، وكالغريب في أوائل الحِقبْ “.. ثم ينهي هذا المقطع بنفس السؤال الذي أنهي به المقطع الأول ، ربما للتأكيد ، وربما لمراعاة مقتضى الحال ، وربما يستوقفه ليقول له كفاك ، أما أعياك الترحال ، وآن لك أن تستقر .. ” لأين أنت ذاهبٌ يا أيها الولدْ ” ؟. .

لكنني أنا هُوَ
هذا الذي أراه خارجاً من كهفِهِ،
ومائلاً بعِطفِهِ،
وداخلاً في جهةٍ مع الأبدْ
هذا الذي أراه كالصبيّ في فجر السلالاتِ،
وكالنبيّ في بدء الرسـالاتِ،
وكالغريب في أوائل الحِقبْ
لأين أنت ذاهبٌ يا أيها الولدْ ؟

ثم يؤكد الشاعر إلي هذا الذي يستحثه على البقاء وينكر عليه الرحيل ليقول له لا جديد تحت الشمس .. ولا شيء في الإمكان أجمل مما هو كان ، وهذه أراها نظرة تشاؤمية من الشاعر وهذا التشاؤم والنظرة اليائسة البائسة للواقع المؤلم لأنه لا يستشرف المستقبل وينتظر التغيير ، والغد الجديد ولسان حاله يقول ، سيبقى الوضع على ما هو عليه ، ولا أحد ، يستطيع أن يغيره ..

لا شيءَ في الأرصفة الغاصّة بالأجسامِ،
والأبنية الراصّة بالأرقامِ غير رغوة الزبدْ
لا شيءَ في هذا الزحامِ ،
لا أحدْ

وهنا يؤكد الشاعر أنه هو ، وبأنه حان له أن يعود من غربته ، ويعود من ترحاله المستمر بحثا عن الذات ، كي يُكمل السهرة في ضيافته ، ويشرب القهوة التي هي منبهة ومسهرة بطبعها ليسهرا مع الـ أنا الواعية المتعقلة والـ أنا الحائرة القلقة ، ولا ينسى نصيبه من متع الحياة وعلى رأسها القراءة والمطالعة في الكتب ، وأنعِم بها من متعةٍ ، فيقول :

لكنني أنا هُوَه
أجل، أنا هُوَه
وحان لي أن أدعُوَه
كي يُكملَ السهرة في ضيافتي
ويرشفَ القهوة في حيازتي
ويُنفق الليل معي، على جـَلَدْ
على اعتبار ما علينا أو لنا
فالعمر ولّى هيّنآ
وحان للمقيم أن يغادر النُزُلْ
فلنجلسِ الآن على هامشةِ الرحيلْ
ونفتح المجلداتِ بيننا
ونفحص الكتبْ

ثم يطوف بنا الشاعر ” فولاذ عبد الله الأنور ” على قهوته بعدما أغلق جريدته ، ويدخلنا في صمت المتأمل لكل ما يدور حوله وهو ينظر حوله نظرة الفيلسوف المتأمل الذي يكتشف الحياة من جديد ويدخلنا محراب الصمت ، ويسترجع ما كان من أمر الفتاة التي مضت أمامهُ وهي تبتاع العنب ، وكأني بالعنب الذي تبتاعه تلك الفتاة قد تحول إلي نبيذ عاد به إلي الأمس البعيد وانبعث الماضي العنيدُ من رقادهِ وهنا نجد صورة شعرية جمالية بلاغية حيث شبه الماضي الذي يقوم من رقاده بالإنسان وتناسى المشبه وأتى بالمشبه به واعتمد عليه لتوصيل الفكرة للمتلقي ووجه الشبه الانتباه مع النشاط والحيوية في كلٍ .. واشتعل الحطب .. وما أرها إلا كنية تعبر عن أور النار التي اشتعلت في جوف الشاعر حينما قام الماضي من رقاده فقام في جد ونشاط وعن كثب ليستقبله بالترحاب والحب

طاف على قهوته وأغلق الجريدة
حتى كستْهُ حُمرةُ الهيبة والسـلامْ
وانطفأ الكلامْ
حين مضت أمامهُ الفتاة تبتاع العنبْ
فالتمعت عيناه بالأمس البعيدْ
وانبعث الماضي العتيدُ من رُقادهِ،
واشتعل الحطبْ
فقام عن كثبْ

ثم يتساءل الشاعر عن من الذي أعاد هذا الأمس غضّاً طرياً طازجاً .؟! … من الذي أعاد هذا الأمس غضّا طازجاً .؟. ثم يكرر السؤال لعل وعسى فيقول .. من الذي أعاده مجدّداً .؟. كأنما ما ضربته العادياتُ والنّوَبْ .. ولا طوَتهُ رحلةُ الأيام عن عيوننا، ودَفنَـتْه في اللجب . فيقول :

من الذي أعاد هذا الأمس غضّا طازجاً؟
من الذي أعاده مجدّداً؟
كأنما ما ضربته العادياتُ والنّوَبْ
ولا طوَتهُ رحلةُ الأيام عن عيوننا،
ودَفنَـتْه في اللجبْ

ثم … ” الخطو خطوها، ينسابُ فى الطريق ليّناً .. دالاً عليها بيّنا ..والثوب في التفاف خَصرها النحيلِ، .. يضطربْ ..ــ ولفحته نسمةٌ شاردةٌ، ..ــ هبّت على خدّيه من أزمنة الوصالْ ..” –
توشك أن تغيب عن عينيهِ، أن تذوب في الزحام .. لكنه راح يمدّ خطوه في إثرها ويقتربْ
فالتفتت بوجهها، في لحظاتٍ ملؤها الدهشةُ والعجب .. والتقت العينان بالعينينِ،: أنتِ أنتِ، ها هنا؟..فأنكرَتهُ أنكرَتْ نداءَهُ وحدَجتْهُ ومضت.. يدفعها الزحامُ عن دوائر الرؤية والدّرك.. فصار واقفاً مكانهُ، وشاهراً بنانَهُ، كآخر المحاربين النبـلاءِ، الواقعين في الشّرَك .. وظل شاخصَ العينينِ باتجاهها، كأنه التمثال فـوق حافة النُصُبْ .. ” ثم يدور الحوار بينهما .. ” قالت له ذات صباحٍ مبهمٍ فيما مضى .. ليس سواك لي فلا تغادرِ المكانْ : لكنه وقد صعدْ .. فلم يعد يشملهً الزمانُ والمكانْ ، البيت بيتنا ، والشارع الطويل يزهو بالعمارات القُشُب ، والشجر الصاعد للسماء ، يداعب النوافذ المشرّعات في الفضاءْ ، محتفظا ً ببعض ما ذهبْ ، والفتياتُ الناظرات للطريقِ، ليس في وجوههنّ غير سطوة الجسدْ .. ســيدتي .. شبعت من هذا الجمالُ :علام هذا الحلم ينطفي بعد توهج الظلالْ .. ثم نلااه يعلنها مدوية لها فيقول ..بعدما بين لها ان الجمال جمال الروح ، وبانه لم يعد يغريه جمال الجسد ولا المظاهر ، والتي كثرا ما تكون خادعة ..
ما عاد حضنك الحنون يطفيء اللهبْ .. وبان المظاهر، والجمال الظهر لا يشبع نزوعه الي الكمال المجرد فنراه يقول لها : ولا يسدّ حاجتي من النزوع للكمالْ .. وبان .. هناك شيء غامضٌ أبحث عنه خارج الجسدْ .. هذا الشيء حبل يربطه به اشبه ما يكون بـحبل من نار .. هناك حبل من مسدْ ..يشده الي الكمال الذي ينشده والي هذا المحال .. يشدّني إلى المحال … فيقول …

الخطو خطوها،
ينسابُ فى الطريق ليّناً
دالاً عليها بيّنا
والثوب في التفاف خَصرها النحيلِ،
يضطربْ
– ولفحته نسمةٌ شاردةٌ،
هبّت على خدّيه من أزمنة الوصالْ –
توشك أن تغيب عن عينيهِ،
أن تذوب في الزحام
لكنه راح يمدّ خطوه في إثرها ويقتربْ
فالتفتت بوجهها،
في لحظاتٍ ملؤها الدهشةُ والعجبْ
والتقت العينان بالعينينِ،
: أنتِ أنتِ، ها هنا؟
فأنكرَتهُ أنكرَتْ نداءَهُ وحدَجتْهُ ومضتْ
يدفعها الزحامُ عن دوائر الرؤية والدّركْ
فصار واقفاً مكانهُ، وشاهراً بنانَهُ،
كآخر المحاربين النبـلاءِ،
الواقعين في الشّرَكْ
وظل شاخصَ العينينِ باتجاهها،
كأنه التمثال فـوق حافة النُصُبْ
قالت له ذات صباحٍ مبهمٍ فيما مضى
: ليس سواك لي فلا تغادرِ المكانْ
لكنه وقد صعدْ
فلم يعد يشملهُ الزمانُ والمكانْ
البيت بيتنا
والشارع الطويل يزهو بالعمارات القُشُب
والشجر الصاعد للسماءْ
يداعب النوافذ المشرّعات في الفضاءْ
محتفظا ً ببعض ما ذهبْ
والفتياتُ الناظرات للطريقِ،
ليس في وجوههنّ غير سطوة الجسدْ
ســيدتي
: شبعتُ من هذا الجمالْ
علام هذا الحلم ينطفي بعد توهج الظلالْ
ما عاد حضنك الحنون يطفيء اللهبْ
ولا يسدّ حاجتي من النزوع للكمالْ
هناك شيء غامضٌ أبحث عنه خارج الجسدْ
هناك حبل من مسدْ
يشدّني إلى المحالْ

ثم يختتم الشاعر مقطعه العاشر فيقول .. بعدما عاد من هذه الرحلة الشاقة خارج الجسد وخارج البلد .. كل شيء أنكره ، حتى منعرج الوادي ، ومدخل البلد ، الذي هما كانا لصيقا به وقضى فيهما جل عمره … ” ما عاد شيء هاهنا يعرفني ، أنكرني منعرج الوادي ومدخل البلدْ .. حتى الأرض تنكرت منه وعرائس الحقول ” النخيل ” أنكرت وجهه وأيضاً مصابيح الكباري ، وفوانيس العُمُد .. فيقول .. “وأنكرت وجهي عرائسُ النخيلِ، أنكرت خطوي مصابيحُ الكباري، وفوانيس العُمُد ..” وكأنه ينكر عليهم إنكارهم له فيقول .. ” لكنني أنا هُوَه ..وأعطاهم شارة ، وأماره تلو إمارة ليعرفوه ، وذلك في صيغة المتكلم عن الحاضر ، وكأنه يتكلم عن شخص آخر ، يعرفهم به ليتذكروه ..” هذا الذي أراه صاعداً على الهضَبْ .. أو نازلاً من ربوة،
في يده العسيبُ أو في حِجرهِ الرّطَبْ ، هذا الذي متّجهٌ دوماً إلى اليمينْ ، ملتفاً بالشوق والحنين .. أبحث عنه في ، فنادق المغادرينَ في الصباحِ، في قوافل المهاجرينَ في السحرْ، أبحث في مضارب الخيامِ، في منازل الحضرْ .. هذا الذي يظل حالِماً إذا صحا . ويقظا إذا غفا، وراحلاً إذا أقامْ ، هذا الذي يقتات في المنام ، سكوته كلام ، وصوته ينثال في الهديلِ من برج الحمام، كأنما يبحث عن شيء ولا يجد ، لكنني لست أراه . لستُ أراكم أو أراني، أو أراه ، هذا الذي أناهُوَه ، ما كان لي أن أرجوَه ، ما كان لي أن أبرح الكهفَ، ولا أن أترك المكانْ ..
فيقول ..

ما عاد شيء هاهنا يعرفني ،
أنكرني منعرج الوادي ومدخل البلدْ
وأنكرت وجهي عرائسُ النخيلِ،
أنكرت خطوي مصابيحُ الكباري،
وفوانيس العُمُدْ
لكنني أنا هُوَه
هذا الذي أراه صاعداً على الهضَبْ
أو نازلاً من ربوة،
في يده العسيبُ أو في حِجرهِ الرّطَبْ
هذا الذي متّجهٌ دوماً إلى اليمينْ
ملتفعاً بالشوق والحنينْ
أبحث عنه في،
فنادق المغادرينَ في الصباحِ،
في قوافل المهاجرينَ في السحرْ
أبحث في مضارب الخيامِ،
في منازل الحضرْ
هذا الذي يظل حالِماً إذا صحا
ويقظا إذا غفا، وراحلاً إذا أقامْ
هذا الذي يقتات في المنامْ
سكوته كلام
وصوته ينثال في الهديلِ من برج الحمامْ
كأنما يبحث عن شيء ولا يجدْ
لكنني لست أراه
لستُ أراكم أو أراني، أو أراه
هذا الذي أنا هُوَه
ما كان لي أن أرجوَه
ما كان لي أن أبرح الكهفَ،
ولا أن أترك المكانْ

وفي الأخير نشكر شاعرنا المتمكن من أدواته ومالك للغته ، نشكره على هذه الماسة الثمينةا النفيسة الرائعة ، نحن أمام نص جميل ماتع وممتع ، فريد ومتفرد ، لشاعرٍ سلس المعاني ، رصين الكلمات ، يذكرنا برعيل الأول من الشعراء الكبار، ولا غرو فهو يَقرُب منهم أو يدانيهم وربما كان مثلهم في رأي المتواضع .. .. وهذا بعض ما أتيت به أنا من محاولة أراها جميلة تشبه الرحلة عبر فسطاط ناري فوق الغابات ، أو كغواصٍ مبتدئ أراد بأن يرتدي بذلة الغطس وينزل في المحيط ليخرج بعضا من اللؤلؤ .. فشكراً لك شاعرنا الكبير / فولاذ عبد الله الأنور.

السابق
الخروج من الكهف
التالي
حلم مزعج

اترك تعليقاً