قراءات

قراءة في نص “استهواء”

النص للكاتبة مرح صالح

النص على مجلة لملمة من هنا

القراءة

تقدمة:
عندما نفتح باباً للنّقاش في أمر ما سواء أكان مدار هذا الأمر حول ماهية الحدث المثير للجدل أو حول شخصيّة جدليّة أو حول حقبة زمنيّة غابرة، فنجد أنفسنا ننساق وراء نقاط الضعف بشكل عام، والابتعاد عن محور القضيّة وما آلت إليه من أحداث جمّة وهي الأهم للأخذ بعين الاعتبار بنتائجها، ولكن الأنكى من ذلك أن الهوامش هي التي أصبحت حديث السّاعة، رغم أنّها قد تكون مضافة إلى الأحداث الجليلة أو إلى أُطر الرموز التّاريخيّة التي نستمد منها حضارتنا ورُقيّنا لكي ندخل في دوّامة الحيرة حول مكنون الشخصيّة التّاريخيّة أو واقعية الحدث التّاريخي (البصمة التّاريخيّة) المثبتة دون دراية منّا بأنّنا قد زللنا وتعثّرنا في خطواتنا بسبب الانبهار الزّائد للحدث أو الإعجاب بالميل الفكري لتوجّهاتنا التي هي وليدة أهواءنا، حينها سنبفى في صُلب الغمام ولن نهتدي للكوّة الحقيقية النّاجية والصّادقة.

العنوان:
(استهواء) مصدر استهوى، بمعنى الإعجاب ،الانبهار والإغواء…وهو عنوان نكرة شامل وملمّ لفحوى النّص، دون المساس بحيثيّاته المباشرة. بل هو الرّاوي الحقيقي للبعد الخفي داخل الفكر المحمول لدى القارئ، فبأي فكر يحمله القارئ يستطيع قراءة النص كما تستهويه الفكرة، وهذه مناورة ذكيّة وموفّقة تُحسب للقاصّة، التي جعلت من العنوان مفتاحاً للقارئ، يُديره كما يشاء ليخرج بتأويل كما أراد له أن يكون حسب مخزونه الفكري والثّقافي والأيدلوجي.

التحليل الفنّي والأدبي:
كما نعلم أنّ التّاريخ لم يعد تاريخاً واحداً مُتّفقاً عليه كما سلف، ولم تعد تضاريسه واحدة ولا بنيته متكاملة كما كانت.
فمنذ دأب الاستعمار باقتحام عالمنا العربيّ عبر ترسانته المتطوّرة واستغلال الثّغرات فيه، لم يجعل من استعماره هذا مجرّد احتلال دول وفرض هيمنته العسكريّة على أراضيها فأهدافه أبعد من ذلك، وهو يعلم تماماً أنّ المقاومة مستمرّة وأنّه آجلاً سيخرج ويترك وراءه الدّمار والخراب في البُنى التّحتيّة لبلادٍ كانت في السّابق قبلة العالم وأيقونة التّاريخ والفكر والحضارة والثّقافة، لذا قام هذا الاستعمار بترسيخ أفكاره داخل عقول ونفوس جيلٍ نشأ تحت ظلّه، بل واستمر بهذا الغزو حتّى بعد أن تحرّرت هذه الدّول من براثنه، قام بجهدٍ جهيد بتغذية مجتمعات هذه الدّول بمعطياتٍ لم تكن موجودة، وادّعى أنّه أوّل من اكتشفها وأنشأ فيما بعد بما يُسمى بدور التّبادل الفكري والثّقافي، ليخرج جيلاً مُشوّشاً بما لديه وبما لدى أعوان الاستعمار الحديث من تداعيات أُخذت بمحمل الجدّ.
ونتاج ذلك فإنّ هذا الجيل قد غرق في دوّامة الحيرة وسط تضارب في المعتقدات والرواسخ، فهذا التّاريخ الذي يقرأه يختلف كليّا عن التّاريخ الذي يقرأه قرينه الآخر، كلّ حسب تلقينه ودمغ عقله بمصفوفة خاصّة به، فلم نعد نرى الرّموز على عظمتها بل اتّجهنا إلى ما هو أبعد ما يكون عن تلك الرّموز وحبونا صوب التّاريخ المقولب في ذلك البعد، فلم يعد ذلك الرّمز الذي خلّدته لنا السّنين الغابرة ذا أهميّة، حتى وإن دُمّر ماديّاً ومعنويّاً من فيض أفعالنا للحفاظ على ما تبنّينا من فكرٍ عقيم لا أساس له.
من هنا تبدأ مرحلة الاحتدام المباشر بين جميع الأطراف المُتصارعة لفرض ثقافتها وعولمتها التي أتت من خارج المحيط حتماً، ولتصبح المساحة الزّمنيّة التي نبتت فيها كل تلك القوى المتناحرة عبارة عن بساط يلملم كل بقايا وأشلاء تلك القوى على أنقاض الرّموز التّاريخيّة التي ما هي إلّا محطّة عبور لا أكثر.، والصّراع الحقيقي أضحى حول أحقيّة تلك الإضافات المهمشة والمبتورة من سالف الزّمان، وهذا ما عبّرت عنه القاصّة باقتدار في جملة (تصارعنا عند كلّ حافة مهمشة).
انتقلت القاصّة مباشرة إلى الحالة الانفعالية في المشهد الحقيقي الغائب عن البصيرة رغم وضوحه في أبصارنا لأننا نرمقه بنظرة عابرة دون تفكير أو تمحيص أو حتى دون دهشة واستغراب لتلك الحالة العجيبة، وكيف أنّنا استسلمنا لهذا المشهد واستبعدنا عنه النوايا السّابقة واقتنعنا بخداعه تماماً كالسّاحر الذي يؤدي حركاته المفتعلة والمدروسة بحرفية عالية قبل الإقدام على فِعلها، ونجدنا في حالة انبهار وهو يؤدي ألعابه الخفيّة وكيفية تحويل الحمامة إلى منديلٍ مثلاً دون الانتباه لخفّة اليد التي غابت عن أعيننا (الحقيقة الغائبة) ليظفر بالنهاية بالتصفيق الشديد لبراعته في الخداع البصري.
وهذا هو حال المستعمر القديم الذي فتك بحضارتنا وثقافتنا وبأبناء جلدتنا، بتنا نراه الحمل الوديع والصديق الأنيس والمخلّص لكل مشاكلنا، وهذا هو مبتغاه الحقيقي، تماماً كما عبّرت القاصّة (حلّق الغراب مغرّداً)، فهل الغراب الذي كان نذير شؤم عند العرب قديماً والذي له صوت النعيق المنفّر، هو نفسه الذي خدع أحاسيسنا وزيّن لنا صوته وأصبحنا نسمع له تغريداً شجيّاً، ونمرح لتحليقه في أجوائنا، وليفعل هو ما يشاء، لتكون النّهاية المأساويّة والتي عبّرت عنها القاصة بقفلة مذهلة حقّاً (طمست معالم الخريطة) حيث المتاهة في أوطاننا كما حصل مع بني إسرائيل، لكن هذه المرّة من أيدينا وبما اقترفته أيادينا من خطايا نتيجة الاستسلام للتّاريخ المعولم ونكراناً لحضارتنا السّامقة والانقياد لرغبات المستعمر.
والسّؤال هنا:
أين دور المثقفين والمفكّرين العرب الرّافضين لهذه العولمة والحريصين على ترميم تاريخنا المجيد ضدّ هذه الهجمة الاستعماريّة؟ وما هو الواجب المُوكل لهم تجاه الجيل الصّاعد في تنوير عقولهم وإرشادهم للحقيقة؟
وفي خاتمة القول: أوجّه شكري الخاص للقاصّة المبدعة الأستاذة مرح صالح على أطروحتها الراقية والموفقة من الناحية الأدبية والفنية ومن الناحية الفكرية…ققج جميلة جدّاً ، مكثّفة ومختزلة، ذات مضمون سياسي إنساني وقومي واقعي نعيشه ونلمسه ونتحسّر عليه وعلى مصير جيلنا والجيل القادم، فإلى أين المصير؟.

السابق
استهواء
التالي
تَشَبُّهٌ

اترك تعليقاً