قراءات

قراءة في نص “العشاء الأخير”

نص القصة للكاتب الطيب جامعي

النص على مجلة لملمة من هنا

القراءة

كل سكان الواحات عبيد. لايقيم وراء جدار أو كوخ إلا عبد.
ابراهيم الكوني.

التقديم
يستوحي الكاتب قصته من الواقع المعيش ويصور تفاصيل خاصة بحقبة زمنية بعيدة صاغها بلغة سردية بسيطة انضبطت لسطوة المقاييس التقليدية في القص (تقريرية/عقدة/صراع/حل )وأظهر من خلالها الأستاذ الطيب جامعي تمرسه بالقصة القصيرة وإلمامه بفن الحكي ليقدم لنا حكاية استقاها من الموروث الشعبي بما فيه من تناقضات (فقر/غنى؛شرف/رذيلة؛كرم/بخل )في مقاطع مشهدية مستفيدا من الأدب العربي القديم في جنس السير والحكي.
مما يحيلنا إلى التركيز أولا على المتن السردي في القصة.

1_طبيعة السرد:
مقاطع القصة مترابطة وفق نسق سردي تصاعدي راوح بين الوصف (تقديم الاطار المكاني والمناسبة “مأدبة عشاء) مبرزا المظاهر المكونة لإطار الأحداث؛ متتبعا حركية الأشياء والشخوص المساهمة في بنية القص وبين السرد المتصاعد لها.
ولأن الحكائية كمرجعية شفهية وملمح سردي بامتياز قد اقتضت أن يكون السارد متكلما وحاضرا في مختلف مفاصل الحكاية (وكان من عادات الأهل. ../وكان من عادات العشاء …. )
فقد شكل الزمن السردي نظاما مرجعيا محملا بدلالات إيحائية تتحكم في الأحداث والشخصيات وفق خطية حملت ازدواجية مال من خلالها الكاتب إلى التكثيف و استثارة لخيال القارئ أسقط أحداثا قفزعليها النص لكنه أوحى بوقوعها عمدا للتسريع في وتيرة السرد.
ولأن الفضاء ليس مجرد إطار للأحداث فقط فقد كان متناغما مع زمن الحكي(ريف/قصر بمفهوم دارج ذا خصوصية شرحه الكاتب في الهامش)وواقعية إمكانية حدوثها في تلك الحقبة التي تميزت بالبساطة والجهل والتناقض في مجتمع فقير خضع لسلطة مستبدة لم يكن لرأيه فيها أي قيمة (بيد ان السلطات زكته بل فرضته فرضا.)
ولأنه لم يكن اعتباطيا بقدر ماكان مساعدا على صوغ حكاية دالة ومعبرة فهو يحيلنا إلى:

2- التيمات بالقصة:
أالتهميش الممنهج للسيطرة على العباد وإذلالها:
بلغة مباشرة انزاحت عن الإيحاء والتكثيف أشارالكاتب إلى زمن كان فيه “الشيخ”بالدارجة التونسية مرادفا للسلطة وممثلا لها بالأرياف ينصب دون استشارة للمواطنين الذين كانوا مجرد رعايا.(ولكنه حافظ على هيبة المنصب ووقاره بما يملكه من صرامة وحظوة عند “القايد”/بيد أن السلطات زكته بل فرضته فرضا. )مما أفرز مجتمعا متزلفا وخائفا يعيش ليل أفراحه غارقا في الظلام (غرف القصر مظلمة في مثل هذا الوقت. )
ب
مفهوم الشرف : تفسر مفردة شرف بعكسها “رذيلة وأحد معانيها الكذب كجذر أصلي للإخلال بالشرف.
أو بمترادفاتها المعجمية “الصدق ،الوفاء بالعهد ،القيام بالواجب
لكنه انزاح في القصة ليعبرعن معنى التفاخر بالانتساب الى ذوي السلطة (فشرف ابنها من شرف حضوره ) وتتطور الاحداث بمفارقة شكلت رؤية مغايرة للشرف ليصبح ذا دلالة جنسية تحيل إلى المحافظة على مابين فخذي المرأة أو عذرية الفتاة .(لم يتفطن الجميع إلى تلك القطرات الحمراء التي وصل البعض منها إلى كعبي الفتاة ،إلا الأب، راح يتقيأ مرارة الحنظل).

3_تعدد الشخصيات:
لأن القصة كانت في قالب حكاية اقتضت أن يخرج الكاتب عن أحد شروط القصة القصيرة ذات الشخصية الواحدة ليحرك شخصيات عدة وينميها من خلال مشهد وليمة العرس ولتكون قصته أكثر حبكة وصف لنا شخصيتين رئيسيتين “الحاج محمود “المضيف وضيفه “الشيخ زبير” وفي مرتبة أدنى الزوجة وبقية الضيوف والأعوان المرافقين للشيخ مع الإشارة إلى شخصية الفتاة “سارة “لتكون محركا لتفجرالأحداث وصياغة المعنى والمغزى من كل الحكاية.
إضافة الى رمزية “كلاب القصر”التي كانت منتبهة إلى أحداث الجريمة ومرتكبها (يرتفع نباحها فجأة. …يستحيل عويلا مريرا /مازالت ترابط على الأبواب في نباح مستمر/ هي تشير بأنوفها إلى الداخل لكن لا من مجيب )فقد أثبتت ولاء وصدقا للأسرة أكثر من بني جلدتها الذين نصفهم بالكلاب كناية على سفالتهم ووضاعة نفوسهم في ظلم واضح لهذه الفصيلة من الحيوان التي تميزت بالوفاء. في حين امتدت يد من أكرم وبجل وأقيمت على شرفه المفقود وليمة العشاء الأخير(تذكر العشاء الفاخر ،تذكر الترحاب المفرط، تذكر حفاوة زوجته ) لتغتصب الشرف وتغتال البراءة في تعد صارخ ومفضوح من الشيخ المتستر بالظلام وهيبة المنصب (لكأنما يريد إخفاء شيئ /كان يردد بأنه سيمسك الجاني وسيلقى عقابه ) وفي غفلة من الناس ذكرتني بقول أبي الطيب المتنبي:”وما انتفاع أخي الدنيا بناظره؟ **اذا استوت عنده الأنوار والظلم.”
وامعانا في الظلم والانحدار الأخلاقي يتطوع القوادون للدفاع عن المجرم (أما البعض من أعوان الشيخ فما فتئ يردد بأنها زلقت وسقطت فالمنحدر خطر جدا ولا وجود لجريمة )، لتكون “ثقة الأبرياء من أهم الأسلحة التي يستخدمها المخادعون.”كما ذهب إلى ذلك ستيفن كينغ.
ولا يمكنني أن أختم مقالتي دون أن أعرج على مقاطع دارجة (كول=كل /بربي يا شيخ كول /راهو بمعنى “إنه “)
جعلها الطيب جامعي في قالب حوار بين الشيخ ومضيفه لينفتح على خصوصية ثقافية للشخصيات ويستوعب المتن لغة الحديث اليومي ويوغل في الواقعية ليكون قد استوفى جل مكونات الحكاية كموروث أدبي تميز به “الحكواتي” قديما.
وكأنني بالكاتب بتركيزه على ثنائية إنسان /حيوان أراد أن يبين أن الإنسان يمكن أن يكون أكثر وحشية من الضواري حين يتجرد من القيم والمبادئ و”لا يمكن لوحش أن يعلن عن نفسه ،فلا يمكن للمرء القول:”إليكم الوحش هنا ،دون تحوله حالا إلى كائن أليف.”
بحسب دريدا.
أحيانا بمجرد الإعتراف بمحدودية الطين فينا نكون قد قطعنا شوطا في اتجاه إنسانيتنا الضائعة.

السابق
العشاء الأخير
التالي
إشراق

اترك تعليقاً