قراءات

قراءة في نص “اِنْحِدَارٌ”

النص للكاتب أسامة الحواتمة

النص على مجلة لملمة من هنا

القراءة

العنوان:
( انحدار ) من هنا نرى العنوان النكرة الذي لم يحدد أي انحدار هو بعينه فتح مخيلة القارئ للولوج للقصة لمعرفة أي انحدار
الإنحدار لغة:
انحدرَ / انحدرَ من ينحدر ، انحِدارًا ، فهومُنحدِر، والمفعول مُنحدَر منه • انحدر الشَّيءُ مُطاوع حدَرَ / حدَرَ بـ / حدَرَ في : انحطّ من علوٍّ إلى أسْفل، نزل وهبط فجأة وبقوة.

النص:
(الريشة) أول مفردة افتتح بها الكاتب قصته يكاد القارئ أن يشك بأنه سيقرأ عن فنان ورسم ولوحة وألوان ليكمل.
(لطالما) هي بمثابة جسر عبور بين ماض وحاضر امتدادا للمستقبل.
(لطالما دمغت) وهنا يقفز بنا إلى التاريخ موغلا بالقدم لأيام الدواة والريشة ليصور لنا كيف كان واقع الخط و الرقع والرسائل.
(جزيتهم) هنا التفاتة واضحة لتاريخ الأمة العربية إبان الدولة في عصرها الذهبي كانت تجبي الجزية من أركان الأرض لبيت المال وهنا أشارة إلى القوة والمنعة وخاصة اقتصاديا فالجزية بمثابة الضرائب في عصرنا لها أسس دينية ومقادير ولها ديوان ومسؤول عنها تتبع نظاما ماليا دقيقا دليل على تنظيم وتطور الاقتصاد والنظام المالي والقوة والمنعة لدى العرب والمسلمين وغالبا يقصد به العصر العباسي.
(رموها في النهر) دلالة على وجود أعتداء تعرضت له الريشة التي هي رمز للحضارة والقوة ووحدة العرب في العصور الناصعة وليست الريشة إلا رمزاً قويا ترمز لصروح العلم والحضارة التي كانت مشيدة إبان أوج الدولة العباسية.
(لما أزرق الفرات) وهنا إشارة إلى تعرض العرب لهجمات المغول والتتار وهولاكو الذي رمى أعداد هائلة من كتب علماء المسلمين في نهر الفرات فازرقت مياهه عندما حل الحبر والحبر دليل على ما دمره من حضارة وصروح أدب وعلم وما احتواه ذاك الحبر من معارف امتزجت بمياه الفرات بسبب اعتداء هولاكو ومن نتائج تلك الهمجية إسقاط الخلافة العباسية وإضعاف دولتها وإطفاء شعاعها…
ويسقط الكاتب ذاك الانحلال على واقعنا من خلال استخدام (لطالما)
ما تدل على تناص مع الحاضر.
(احمرت خرائطنا) عندما دمر العراق وسقط الحصن الشرقي، من أبراج قلعة العرب الحضارية انفتحت الأبواب على مصراعيها لهبوب ريح صرصر أسقطت الدول واحدة تلو الأخرى وكوننا دول مفككة الآن – أي لكل منها خريطة – فإن دلالة القفلة (احمرت خرائطنا) هي دلالة عدم توقف الحروب على العرب كافة والعراق خاصة إلى يومنا هذا وكأن زمن القصة لم ينتهي منذ هولاكو وحتى يومنا هذا، فالتاريخ يعيد نفسه سقوط العراق من شرق الوطن العربي منذ آلاف السنين أيام الآشوريين والبابليين والسومريين
حتى استباحت الجيوش بلاد ما بين النهرين ومن ثم توجهها للشام ولا ننسى الاحتلال العثماني لبغداد ثم إكمال طريقه إلى بلاد الشام ومصر …

أما الآن فها هو التاريخ يعيد نفسه
باستباحة بلادنا حروبا ودمارا وفوضى وانهيار العلم وسواد الجهل
فاحمرت خرائطنا لأن الأحمر هو لون الدم ولون الحرب والحرب لا تُخلف إلا جهلا ومرضا وفقرا وانهيار صروح العلم والتمدن وهنا نرى ارتباط العنوان (انحدار) بالقفلة ارتباطا عقلانيا وسبب ونتيجة أبدع الكاتب باختيار الألفاظ في أقل من عشرين كلمة قد ألَمَّ بفكرة قصته وسردها
واستخدم أفعال الماضي لتدل على عبق التاريخ الذي عطر نصه به (دمغت ..رموها) .. مستخدما (طالما) للإستمرارية اما لفظة (لما) التي تفيد الحاضر والمستقبل (لما ازرق …حمرت) .. دليل لاستمرار ما فعلوا ويفعلون الآن وما زالت مستمرة مشاريع التخريب كل الذين مروا مستعمرين دمروا الأمة العربية .
والتاكيد على ذلك بكلمة (خرائطنا) هنا الجغرافية المحددة التي دمرت وأهلكت شعبها قتلا وجهلا تحت مسميات لا تدل إلا على الجهل والجهالة
أما الألفاظ التي اختارها الكاتب كأدوات لهذه اللوحة الفنية الجميلة (ريشة ..وازرقَ.احمرت .نهر .خرائط ..حبر ) قد أبدع الكاتب بالإيحاء فكأنه يفتح كتاب تاريخ ليرينا الأحداث والتكثيف والدهشة والمباغتة .

بالنهاية
أبدع الكاتب فاستحق التميز أرجو أن أكون قد أفلحت بتسليط الضوء على مواطن الجمال لهذه القصة وما أوحته لي متمنية للكاتب دوام التألق والتميز.

السابق
حملٌ
التالي
مَثْنَوِّيَة

اترك تعليقاً