قراءات

قراءة في نص “بـَلَه”

النص للكاتب قويدر عبد الحكيم

نص القصة على مجلة لملمة من هنا

القراءة

قد يشي النصّ بتعقيد اتصال وحداته الدلالية وربما غياب اتحاد مبناه ومعناه، لانزياحات السرد الكثيرة، وغموض التبئير والتصعيد، عبر انتقالات بين هموم عاشق يسعى لمحبوبته فيقرأ فنجانه بوساطة العرّافة كما في “قارئة الفنجان” للشاعر نزار قباني.. وخوض غمار لعبة البلياردو لتحقيق فوز صعب،، إضافة لإدخال اصطلاحات تشير لثمار قد يبدو غريباً إقحامها “الخوخ والرمان” واستخدام مفاهيم السهام الأفقية في مناورات اللعبة وأخريات سقطن من السماء… لعل هذا النصّ المركب هو من النصوص التي يصعب قراءتها ببعدها الأفقي اللغوي المعجمي التوظيفي،، حيث لا بد من استخدام وسائل القراءة السيميائية لرموز النصّ اللفظية ووحداته السردية ذات التوظيف الاعتباطي فيصبح الدال المحدث في شبكة الاتصال سواء كان مفردة أو جملة معزولاً عن معناه المعجمي ويؤدي وظيفة دلالية يحددها الاتصال في بنية النصّ واكتشاف السنن،، ولأجل ذلك لابدّ من قراءة النصّ كلمة- كلمة واستنطاق المعاني الأفقية والعامودية قبل إعادة تركيب الوحدات البنائية في مساراتها الدلالية المقصودة وهو ما نسميه القراءة “الشرودية”. عنونة النصّ ومظلته المتسننة مع بلوك السرد هي “بله” فعل فاعله أبله وجمعه بُلهٌ ومؤنثه بلهاء وبلهاوات، بله الشخص: ضعف عقله وغلبت عليه الغفلة وقلّ تمييزه، وقيل: ما أبله فلاناً أي ما أشدّ بلاهته، وقيل أيضا:ً عيش أبله أي ناعم وفي، وشباب أبلهُ أي غافل منعّم، وفي الحديث الشريف: أكثر أهل الجنّة البله يعني البلهُ في أمر الدنيا لقلة اهتمامهم بها وهم أكياس في أمر الأخرة، وبله تعني دع وقيل سوى وهي اسم لفعل الأمر بمعنى دع: اترك، بله هذا الشأن لي: اتركه لي،، وفي البلهاء قيل: الرجل يحبّ المرأة الذكية ويتزوج البلهاء لإنها تطيع زوجها وتلبّي أوامره.. فاللفظة الانكارية التي ساقها الكاتب لعنونة جسد نصّه ذات وجوه تنوعت بها مسارات الدلالة بين ذمّ وقبول، وهي بالحالين تفيد معنى البساطة والطيب والابتعاد عن خشونة الطبع وقسوته.. لعلّ في رواية “الأبله” لديستوفسكي ما يقدّم دراسة وافية للمراد بالاصطلاح في أبعاده البلاغية والاجتماعية والسايكولوجية… جملة النصّ الاستهلالية ومقدمة السرد تطالعنا بوصف لطاولة قراءة الطالع مع عرّافة وإشاعة الحنين والشوق لدى بطل النصّ لبلوغ المراد”المعشوق” ربما بلاهته-بساطته- حمّلت جيوبه ثمار غامرت معه في مطلب سعي (عرّافة تقرأ الفنجان على طاولة الحنين) واستعار الكاتب شكلاً للثمار ناسب لواعج المغامرة: كرويتها وسهولة حركتها وصعوبة القبض عليها لينقلنا في أول انكسار وانزياح بالتشبيه والاستعارة إلى طاولة البلياردو (يحاكي الكرة البيضاء في لعبة البلياردو) والتي يصعب الفوز فيها مع استخدام كرة الضرب البيضاء، ثم يرفع الكاتب عتبة الانكسار والانزياح بالتشابيه والاستعارة لينقلنا إلى طاولة الوطن (ورمّانة تتوسط القطر) عبر مسارات دلالية متشظية (طاولة العرّافة- طاولة البلياردو- أرض الوطن المجزأ) فتتنوع مشاعر الخيبة والتراجيديا للطيبين البله (عشق الحبيبة- عشق اللهو واللعب- عشق الوطن).. وإذا تناولنا إيحاءات النصّ باستخدام الكرات في عدد ثماره الواشية بالنتائج المفجعة (ثمار العمل وما شاكل) فلا بد من إمعان النظر في مفردات أيقونية استخدمها النصّ: خوخ- الجيوب- البلياردو.
الخوخة: نوع من أنواع الفاكهة، والخوخة أيضاً كوّة في الجدار تؤدي الضوء، وتعني مخترق ما بين كلّ دارين لم ينصب عليها باب (لاحظ تنوع التوظيف للمفردة).
الجيوب: من جيب والجمع أجياب وجيُوب وجِيوب، وجيب القميص طرفه لإدخال الرأس، وجيب البنطلون ما يوضع فيه الأشياء، وجيب الأنف فتحة في عظام الجمجمة، واستخدم الاصطلاح في علم الزوايا الهندسية، وجيوب المقاومة بقايا القوات المدافعة على أطراف البلدة، وجيب الأرض مدخلها (لاحظ أيضاً تعدد توظيف المفردة)
البلياردو Billiard: مجموعة متنوعة من الألعاب تُلعب بالعصا، لضرب كرات وتحريكها على طاولة يتخللها ثقوب. ادّعى اختراع اللعبة الفرنسيون والانكليز والألمان وبعض الأساطير تردّها للصين قبل ظهورها في أوربا بأجيال، ما يجعل أمر مخترع اللعبة صعباً تحديده كما يصعب تحديد فترة ظهور اللعبة رغم الترجيحات التي تعيدها للقرنين الخامس عشر والسادس عشر، وبعضهم يعيدها للقرن الخامس قبل الميلاد. اللعبة الأساسية في البلياردو هي “إيت بول” أي الكرة الثامنة، هي الكرة السوداء التي يتنافس اللاعبان لإدخالها بعد الانتهاء من إدخال كراتهما السبع “لكل لاعب” المميزة بأرقامها وألوانها، يضاف للكرات المذكورة “كرة بيضاء” تستخدم للضرب من قبل اللاعبين
(جاء النصّ على ذكرها)
خوخ البله (ثمارهم- ذخيرتهم في الجيوب المقاومة- إنارتهم) حاكت لدى الكاتب الكرة البيضاء في لعبة البلياردو،، فهو وسيلته الواهنة لتحقيق المراد كما أن الكرة البيضاء وسيلة تحقيق نصره بالضرب (الالتقاء بمن أحبّ- الانتصار في لعبته- الوطن المعافى)
انزياح دلالي أخر مع الوصف التشويقي لرمانة تنتظر كسرها للتنعم بحلاوة بذارها؟ لعلها الكرة السوداء على طاولة البلياردو التي يعلن سقوطها (كسرها) الفوز .. لكن الرمّانة في توظيفات السرد ليست مفردة بسيطة ببعد دلالي أفقي وهي ذات إشعاعات متنوعة فكما أنها إسم واحدة الرمّان: شجر من فصيلة الآسيات، ثمرته كروية لها تاج، وقشرتها كثيفة داخلها حبوب وردية بها سائل حلو أو حامض، فالرمّانة: السرّة وما حولها، ورمّانة السيف: عقدة مدوّرة في مقبض السيف، ورمّانة القبّان: ثقل من الحديد على شكل الرمّانة تحرك على قضيب الميزان حتى يعتدل فيقرأ رقم الوزن.. تنوع الإيحاء باستخدام الكاتب للرمز يجعلنا نفكر بالاستخدام لدلالة السرة واجتماع الجسد حولها سيما أنه أتبع الاستخدام وحققه بالعبارتين (تتوسط القطر)، (تنتظر ضربة الكسرة) فالعبارة الثانية تستخدم لدى لاعبي البلياردو لتفريق الكرات المجتمعة بالضربة الأولى، والقطر هنا ما أشرنا له باستخدام ثالث لطاولة النصّ،، والرمانة تجمع الكرات التي ضمّت البلدان (المعشوق الثالث)…
مع ذكر الرمّانة يصل السرد التشويقي للختم إلى الذروة حيث يبدأ التفريغ وتحصد النتائج في مفارقة مفاجئة صادمة ومأساوية (كوميديا مؤلمة) عبر تدفّق رشقات السرد الصادم : انفرطت البذور- تقوّس المضرب… سقطت سهامهم من الأعلى.
البله الذين ابتغوا الرغد في حياتهم عبر حياة عاطفية ولهو ومرح واجتماع القوّة تبدد طموحهم وتفرّقوا فرقة الضعيف المهزوم المنكسر، فقد كانوا تحت تأثير قوى تأبّطت بهم الشرور وفاقتهم حنكة وقوة (سقطت سهامهم من الأعلى)… بختم مؤلم أراد نصّ الكاتب القول: ماكل ما يتمناه المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، ثم قال: ليس للطيبون نصيب.. وقال مع المعلوف: نازح أقعده وجد مقيم في الحشى بين خمود واتقاد كلّما افترّله البدر الوسيم عضّه الحزن بأنياب حداد. كما قال: يا موطناً عبث الزمان به من ذا الذي أغرى بك الزمن… النصّ مركّب، تداخلت مساراته الدلالية، مليء بالانزياحات اللغوية، وأحسن توظيف أيقوناته اللغوية، والاضمار والحذف والتشبيه، وملك ميزة التشويق لقراءة بنيوية قامت على التفكيك وامتلاك معاني الرموز ثم إعادة التركيب لبيان وحدة السرد،، وامتلاك التيمة”تيمات”.

السابق
عجز
التالي
وقاية

اترك تعليقاً