قراءات

قراءة في نص “بُعبُع”

القصة للكاتب بسام الأشرم

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

نص كثيف جميل , يحقق بسهولة وبساطة كافة عناصر القصة القصيرة , رغم تمتعه بالقصر الشديد . فهو لا يتجاوز اثنان وعشرين كلمة . تتحقق فيها عناصر الحدث والصراع والمكان والزمان فى حبكة تربط تسلسل الأحداث بمنطقية , فى حين ينطوى مجمل الموضوع على اشارة رمزية لا تخفى على المتلقى , تحيل الى الموقف العربى الراهن من الأحداث التى تجرى على أرض فلسطين . الاستخدام الماهر للغة والقدرة العالية على انتاج دفقة عالية من الحركة والتوهج من خلال الاستخدام المكثف للأفعال ( يتوقف .. يتفحص يتحفز .. يركض نحوه يقفز فوقه بجنون ) فكأنها متتالية وترية متصاعدة من لحظة السكون الى لحظة ذروة الفعل .. وهذا يؤكد أمران . أولهما تفنيد مايراه بعض الكتاب من عجز القصة القصيرة جدا عن تحقيق عناصر القص الأساسية ما يدفعهم الى الترويج لفكرة التخلى عن القوالب التى يسمونها جامدة . والتى فى زعمهم تكبل القصة القصيرة جدا . فنحن نرى كافة عناصر القص وقد تحققت بمهارة وفنية فى نص بالغ القصر . أما الأمر الثانى فيثبت ما أجمع عليه نقاد القصة القصيرة جدا من أهمية الأفعال فى تحقيق التوهج والتدفق لهذا الجنس الأدبى . فالفعل فى اللغة هو العنصر الذى يحتوى على أكبر طاقة . وهو القادر على شحن الدلالات . وبدونه لا يمكن التوجه مباشرة فى نص قصير نحو ذروة العمل بالمهارة اللازمة . المفاجأة التى يحققها النص فى جملة الختام تنتج متعة ذهنية وبصرية وتؤكد الدلالة الرمزية للنص . فالمسافة الزمنية التى يحققها اللفظان ( رجال ) و ( طفل ) تضعنا قسر ا فى المقارنة بين أجيال المقاومة . فردة الفعل للرجال فى الاستهلال على حدث ظهور نمر فى وسط البلدة يتسم رغم مظاهر الحشد ( بحراب وسيوف ) بالذعر والارتباك ( غبار فرار ولولة ) . يمنحك المشهد انطباعا بالعشوائية فرغم توفر العتاد تشعر بغياب العقل والتدبير . فى المقابل تلمس علامات التدبر والروية وجدية الفعل فى موقف الطفل الذى يشير بالضرورة فى السياق على الأجيال الجديدة من المقاومة . ( يتوقف ) . وهى وقفة لازمة فى التكتيك القتالى عند ورود معلومات بتحركات أو بأعمال عدائية للعدو . وقفة للدراسة وتقييم الموقف ( يتفحص ) . ثم تلى الخطوة الرئيسية ( يتحفز ) مايعنى اتخاذ القرار . كما يتضمن الفعل اتخاذ التدابير الضرورية للمجابهة , يمنحك الفعل الاحساس بتدفق الادرينالين فى عروق الطفل . لقد علم أن النمر ماهو الا شكل من ورق .. اشارة الى اكتشاف الثغرات ومكامن الضعف فى صفوف العدو والتى يمكن من خلالها مواجهته , ودفعه الى حتفه . . يركض / يقفز / يمزق .. أفعال ثلاثة تحسم المقارنة . ليتحول المشهد الى رؤية احتفالية من خلال المتعة البصرية التى تحققها الأوراق الملونة يذروها الهواء .يساهم العنوان فى تأكيد الصورة الرمزية , فالبعبع فى التراث الشعهبى هو كائن وهمى يقصد به تخويف الأطفال لزجرهم عن العادات السيئة . وما يناسب السياق الذى نناقشه فى مفهوم البعبع كونه فى كافة الثقافات والمجتمعات لا يتميز بشكل أو بهيئة معينة . فإذا كان النمر الورقى فى النص يرمز الى المبالغة والوهم اللذان يسيطران على سلوك الرجال فى تعاملهم مع العدو , فالعنوان ربما يرمز الى وقوع الرجال ضحية لقوى خارجية تروج لهم صورة عدو لا يمكن مواجهته , كسرا لإرادتهم كما يكسر الوهم ارادة الطفل فيمتنع عما يغضب والديه نص جميل وممتع للصديق العزيز بسام الأشرم . تحياتى لإبداعه .

السابق
خلسة
التالي
الوسام

اترك تعليقاً