قراءات

قراءة في نص “تَدجينٌ”

النص للكاتب أكثم جهاد

نص القصة على مجلة لملمة من هنا

القراءة

حرصت القصة القصيرة جدّاً على تمتين ارتباطها بواقعها، باعتباره ضامن سيرورتها المشهودة في الساحة الإبداعية عموماً، والسردية بشكل خاص، كما أن رصدها لاختلاجات هذا الواقع المتجدّد في تحولاته والمتسارع في تقلباته، هو ضامن صيرورتها نحو المزيد من النضج والتعقيد.
وبقدر ما يزداد هذا الواقع تعقيداً ويحبّل بالجزئيات والتفاصيل التي أضحت وازنة في مشهد استهلاكنا اليومي، والتي تتهافت على رصدها المنابر الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي من زوايا ورؤى مختلفة متباينة، بقدر ما مالت القصة القصيرة إلى مزيد من التكثيف والترفع عن التفصيل والتكرار وكل أشكال الحشو والترهّل، دون أن تنسف جسور تواصلها مع متلقيها الذي أضحى أكثر من أي وقت مضى، مطالباً بالقيام بنقلات مكوكية بين النص الققجي والواقع الذي هو، أي المتلقي، جزء منه، بل وصانعه في كثير من الأحيان باعتباره فتيلاً في الحراك الاجتماعي وفي هندسة الربيع العربي الذي جعل من واقعٍ ظلّ راكضاً لعقود سادرة، خضماً متموجاً بارتدادات مستمرة في المكان والزمان العربيين.
بالعودة إلى نص المبدع أكثم جهاد، نجد أنفسنا أمام نص امتهن فن البياض مجبراً قارئه على تلك النقلات المكوكية بين الداخل والخارج النصي.
بداية بالعنوان: تدجين، الذي حُبّل بالدلالات والإحالات، لعل أبرزها تركّزاً في حفريات الذاكرة الجمعية، ذاك الذي يحيلنا على عمليات الترويض والإخضاع ( بغض النظر عن محاولات الإنسان إخضاع الحيوان والطبيعة)، والتي شكلت كنه التاريخ البشري الموسوم دوماً بالتوتر، وبصراع القوى وتطاحنها.
تدجين كما يقدمه المبدع أكثم جهاد، يلخص معنى السلطة، ومعنى علاقة الحاكم بشعبه في الذهنية العربية ويدينها: أن تكون شعباً يعنى أن تكون خاضعاً، وأن تكون حاكماً يعني أن تكون سائساً مروضاً.
هذا الفهم المغلوط للعلاقة بين قطبي ثنائية الشعب والحاكم، هو مكمن الداء في جسمنا العربي العليل عندما تحولت هذه العلاقة إلى محاولة إلغاء طرف لطرف، محاولة غالباً ما كانت كفتها ترجح لصالح حاكم اكتسب شرعية الاعتلاء بقوة الإخضاع ، كلما علا دانت له الرقاب وتسيّد أكثر، وازداد الخضوع والخنوع، تتحول العلاقة إلى تأله متعال وعبودية ممجّدة تتفانى في خدمة صنمها بحياتها, وتشيد له تمثالاً فوق جماجمها. ( نشيد هنا بذكاء القاص وحرفيته من خلال التوفق الجميل في اختيار اللفظة التي تخدم المعنى والرسالة بدقة عالية: فاستعمال الجماجم بدلاً من الأكتاف والرؤوس، أفاد معنى التفاني والخضوع التام، الجماجم رؤوس فارغة بدون أدمغة، رؤوس لا تفكر، رؤوس خاضعة مدجنة منقادة نحو حتفها، أسماك ميتة تسبح مع تيار حاكم خلت له الساحة فأمسك بزمام كل السلط ( أصبح ديكتاتورا) يشرّع ويسن الدساتير، يدير رحى الحرب ويخرسها متى شاء. حاكم متجبر يحكم شعباً من الأموات الأحياء( من الزومبي) يصفقون ذلاً ومهانة ببلاهة قطيع يتسابق نحو المسلخ. صورة مؤلمة، لكنها تعكس واقعاً قاتماً مريراً.
وكما أتقن المبدع فن البياض، وفن توظيف الألفاظ، أتقن بحرفية عالية كذلك، فن القفلة الدائرية والتي تعود بك إلى البداية “تدجين” وتجعلك تكتشف أن التدجين، أيضاً، كان تدجيناً لمن كان يظن نفسه سائساً مروضاً! صورة تخفي صورة، صورة تدرك من خلالها أنه مدجن بدوره، مروض على التنكيل بشعبه وتعطيل نمائه واستفاقته، كلب حراسة يستحق عظمة جائزة له، ويجب أن يكون بطشه كبيرا ونباحه عالياً حتى يسكت عنه الرعاة الحقيقيون ويزكوه فزاعة لا تملك لنفسها شيء لكنها تملكك ضرراً كبيراً لشعوبها.

السابق
تَدجينٌ
التالي
الوعد

اترك تعليقاً