قراءات

قراءة في نص “حَفرِيَّات”

القصة للكاتب قويدر عبد الحيكم

نص القصة على مجلة لملمة من هنا

القراءة

العنوان: حَفْريِّات: مفردة نكرة جاءت بصيغة جمع المؤنث السالم، مفردها (حَفْرِيَّة).
جاء في قاموس معاجم اللغة: احتَفَر يحتَفِرُ احتِفاراً، فهو مُحتَفِر، والمفعول مُحتَفَر. احتَفَرَ الشيءَ: حَفَرَه، أحدَثَ فيه تجويفاً.
وأيضاً حَفَرَ يحْفِرُ حَفْراً، فهو حافِر، والمفعول مَحْفور.
ومنه حفرَ الشيءَ: أحدث فيه تجويفاً أو نقشاً محفوراً.
و حَفَرَ الأرضَ: استخرج تُرابَها لِيُحْدِثَ حُفْرةً.
وقال تعالى (… وكنتم على شَفا حُفْرةٍ مِنَ النارِ فأنْقَذَكم منها) آل عمران/ 103
وعلى صعيد الرأي: أن يحتَفِر كلٌّ منكم حُفرتَه: أن يتحمّل كلٌّ مسؤوليته.
وتطلق (حَفْرِيِّات) على ما يقوم به علماء الآثار من حفر وتنقيب وبحث عن الآثار.
وفي علم الأحياء تعني: بقايا عضوية للكائنات الحية النباتية والحيوانية.
وعلم الحفريات (البيئة والجيولوجيا): علم يُعنى بدراسة الأزمنة الجيولوجية على أساس الحفريات النباتية والحيوانية.

النص: جاء بالقصصية، والتزم الوحدة، وحاز الجرأة، وأدام الفاعلية، وأجاد التكثيف، ووظف المفارقة، وأحسن الأنسنة، وحقق الدهشة، مقفلاً على توهّج.
وقد جاء بلسان الراوي، واستُهِّل بالجملة الفعلية (صَرحُوا)، وكذلك باقي جمل النص استُهِلَّت بأفعال باستثناء الجملة الظرفية (قبل أن يضع رجله خارجاً)، والتي هي الأخرى حازت على الفعل المضارع (يضع)، وبالتالي فإن عدد الأفعال في النص (8) وهو عدد كبير قياساً الى (20) مجمل عدد كلمات النص. ولهذا يُعزى ما عليه النص من نشاط ودينامية متواصلة.

مفردات وجمل النص:
صرَحوا:
1. صَرَحَ (فعل) صَرَحَ يَصرَحُ صَرْحاً، فهو صارِح، والمفعول مَصروح. صرَح الأمر: بيّنه، وأظهّره. صَرَحَ الشيءَ: كَشَفَه.
2. صَرُحَ (فعل) صَرُحَ يَصرحُ صراحةً وصَروحةً، فهو صارح وصريح، والجمع صُرَحاء وصِراحٌ (للعاقل) وصرائحٌ (لغير العاقل). صَرُحَ الأمرُ: بانَ وأصبحَ واضِحاً. صَرُحَ الشيءُ: صفا وخَلّصّ مما يشوبه.
3. صَرْح (إسم) مصدر صَرَحَ.
4. صَرَّحَ (فعل)، صَرَّح يُصَرِّحُ تصريحاً، فهو مُصَرِّحٌ، والمفعولُ مُصَرَّحٌ.
صَرَّحَ الشيءُ: انكشَفَ وظَهَر. صَرَّحَ النهارُ: ذهبَ سَحابهُ وأضاءت شَمسهُ. صَرَّحَ الأمرَ: أظهرَه، كَشَفَه، أعلَنَه…
أصْدى: أجابَ بالصَّدى. والصَّدى: الصوت الذي يردّه الجبل.
الجَبَل: يرمز وجدانيّاً الى (القوة، والعلو، والكبر، والرسوخ، والصلادة، والثبات، والشموخ) كما يرمز الى القدرة والحماية لقول ابن نوح لأبيه لما جاء الطوفان (قالَ سآوِى الى جبلٍ يعصِمُني من الماء) هود 43
كما ويرمز من ناحية طبيعية الى (الصفاء، والنقاء، والهدوء، والجمال، والفيء)، ويرمز أيضاً الى الحياة الطبيعية وبساطة العيش؛ هذه الحياة لها خصوصيتها وفلكلورها وطقوسها المميزة.
(استفاقَ مَن غيبوبته) الافاقة: هي الصحو واليقظة. والغيبوبة، فعل معاكس لها، وتعني فقد الحس والشعور لمدة معينة تقصر أو تطول.
(قامَ مِن كَهفِه)، القيام: فعل يأتي من اضْطجاع، أو جلوس.
والكهف، في الوعي البشري، يتَمثّل بعلامة ترمز الى الاختباء والعزلة، وكذلك الأسرار.
وهنا نجد أن الكاتب عرج على تناص قرآني فاستثمره بنجاح، من خلال قوله (استفاق من غيبوبته، قام من كهفه)، وهو يتمثّل في قصة أهل الكهف التي وردت في القرآن الكريم في سورة الكهف، وتناولتها كتب التفسير والقصص والتاريخ.
(أثقلتهُ القيود)، قد تكون القيود مادية، مثل: السلاسل وأطواق الحديد والحبال. وقد تكون معنوية، مثل: التقاليد والأعراف والأيدلوجيات والفتاوى..الخ، وفي النوع الثاني تكون أشد قوة وفتكاً ووقعاً على البشرية ومصيرها.
(قبلَ أنْ يضعَ رِجْلَه خارجاً، إنحنى يُعزِّي رأسَهُ المَفْصُول)، هاتان الجملتان لا يصح إلاّ قراءتهما معاً، فهما من الومض الرباعي بزيادة في الشطر الأول. وفيهما اشارة الى عدم التمكّن من الإفلات، وتلقي المصير، والانشغال بنعي النفس؛ وإن كان لبضعة دقائق أو أقل.
أما (الرأس) فهو محور الحديث، وله دلالات كثيرة، أهمها دلالته على الشخص أو الفرد، أو العنصر البشري أذا ما قلنا رؤوس. ولذلك شواهد شعرية كثيرة. كما وتستخدم هذه الكلمة في كلمات الثأر والانتقام، وذلك ما يرد على ألسنة الحكام والملوك من أهل البطش والاستبداد.
نعم قد يُفَسَّر الرأس، بالخزين الفكري والمعرفي للشخص؛ لكن لا قيمة لذلك إذا ما تم استهداف الإنسان نفسه. فمهما سما الإنسان فكريّاً ومعرفيّاً؛ سيظل هو القيمة العليا التي تسمو على كل الفلسفات والأفكار.

في الختام: أعتقد أن كلمة (المفصول) جاءت زائدة، والاستغناء عنها يُرشِّق القفلة. وكان بالإمكان عدم ذكرها، لأنَّ (يُعزّي رأسه) فَسَّرت الأمر. فلا يهم هنا مازال المعني يفارق الحياة. إلاّ أنّ الكاتب أراد أن ينقل التفاصيل المهمة لقصته.
كما أود أن أشير الى عدم توزيع علامات الترقيم وفق المقتضى في بعض مفاصل النص، ليكون كالتالي:
حَفْرِيَّات
صَرحوا، أصْدى الجَبَل، استفاق مِن غيبوبته، قام مِن كهفه…، أثقلته القيود. قبلَ أن يضعَ رجله خارجاً؛ انحنى يُعزّي رأسه.
النص – كما أسلفت – حاز على معظم وأهم عناصر القصة القصيرة جداً. وهو بمثابة حلقة أخرى متصلة بنصيه السابقين (صنعة، و مراسم الصمت) إذ يلتقي معهما بمضامين دلالية عديدة، انبثاقاً من واقع مأساوي ملؤه الحيف والمرارة، أراد الكاتب أن يسلط الضوء على جانب من جوانبه؛ فنجح في ذلك، وكان بارعاً متمكّناً.
فتحيتي للكاتب المبدع عبد الحكيم قويدر، متمنيّاً له مزيداً من الإبداع والرقي.

السابق
هَمَجِيَّة
التالي
خَنْ – أَنُوب

اترك تعليقاً