قراءات

قراءة في نص “سر العنكب”

القصة للكاتب المهدي جاتو الغاتي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

قصة سر العنكب للفنان المهدي جاتو الغاتي ؛ قصة متدفقة تحتوي على وفرة تعين قارئها على استجلاب أكثر من فكرة. البديع في العمل أنك تتحرك وتدرك الروائح حتى أنك تنفر من بعض النعوت ليس لأن الكاتب ذكرها بل لأنك تعاين تلك اللحظة، فالتجسيد المعنوي الدرامي هو ما يتوفر في هذا العمل على وجه الخصوص رغم قصر التوقيت والتوصيف والحجم أكبر من ذلك فالمسافة بين الاكتشاف وبين المقارنة كانت ضيقة في آخر القصة حتى أنني ما أحببت أن تكتمل بهذه السرعة ، الرجل اكتشف نفسه رغم القذارة التي يعيش فيها ، يريد –الغاتي-أن يوحي للجميع أنهم قد يكونون في فلك لايناسبهم، هم فقط ينجرون كعمليتي المد والجزر أو هم اختاروا ذلك المكان بكامل إرادتهم ، لكن تحيطنا إشارات وتلميحات بإمكانها أن تؤثر فينا حتى نتغير كلية ونحلم بالمعجزة .
المعجزة هي تأويل الهدف الذي من أجله يرسم الفنان لوحته بأبعادها ومكنوناتها كَسِرٍّ روحي عميق ..الرجل لايصلي فلا حاجة له بالنظافة .. الإشارة روحية أكثر من كونها جسدية ترابية مادية … الغاتي يقول الروح هي النقية هي التي تحدد مكمن البوصلة لاتجاهاتنا ؛ امتلك روحا ستعيش بسلام .
التشبيهات المتعددة المتنوعة في مفصل الحكاية كأن البطل هو المحرك والمجسد لكل ملامح الطبيعة التي رسمها الغاتي في ثنايا حكايته (استيقظ البحر في الصباح الباكر من سباته العميق-عزفت كل خشبة لحنا منفردا _
كذلك تتسلل التصاوير غير المباشرة في تخيله للعنكبوت وهو رابض في عرينه ينتظر الفرسية ؛ ما هذا التضاد القوي المؤثر في المعنى ، عم يتحدث الغاتي؟! عن عنكبوت ضعيف ماهر في فتل الحيل واقتناص الفرص أم عن صياد يلقي بشبكته في عرض البحر منتظرا الأسماك مصحوبة بحورية صغيرة تملأ شغف الإنسان بالأنثى واللحم والفريسة .. هي دائما فريسة في كل الأحوال ؛اقتناص المجهول وارتسامه على الحوائط ، المخيلة التي تحمل كل الك الصور والتجسيدات والدراما؛ ليكتشف الصياد القذِر رغم البحر والماء والصفاء ، لكنه ظل كمحط ِّ سخرية من كل شيء ، أصدقاؤه الذين ينعتونه بالكسل-الكسل مدعاة لكل شيء التقزز …التراخي ..الإخفاق .. القذارة …
الغاتي يريد أن يركز على نقطة الروح؛ لأن الإشارات تغير الجوهر لاتغير المظهر،العنكبوت الذي ركز بشباكه على ذات المكان رغم محاربة الصياد له لماذا هذه المشاكسة بين الصياد والعنكبوت؟ السر يكمن في أنّ كليهما صيادان..العنكب صياد ضعيف يمتلك الحيلة ..ومالك الحيلة لايأبه بمحاربة الآخرين له فهو يظل يحبك حيلته حتى يتمكن من مبتغاه !
أما الصياد فإنه يرى في نفسه القدرة على مجاوزة الأحداث رغم أنه يمتلك العقل ، فلا تدعوه الحيلة أحيانا ليتجسد بكائن ضعيف لاقوة له مع البحر، رأى الصياد في العنكب ذاته ولكنه لايريد أن يكون بشكل نهايته طعاما للكائنات .
استعمال الغاتي لمعنى الإشارات لايفك رموزه إلا متمكن في فهم الرسائل ذات الوجد الروحي .لماذا العنكب في جنازة مهيبة على ظهر النمل ؟ ولماذا الصياد يفترش الأرض هذه المرة ويحلم باصطياد الحورية ؟
سر المعجزة أن الإنسان يبلغ بأحلامه مالا يبلغه بعقله، حورية البحر أسطورة جسدها الغاتي في متمكن يجوز اقتناص معانيها ..
وجه الشبه بين كليهما : (الشبكة) هذا ينسج شبكته فوق، وذاك في عمق البحر وما بين المكانين بعدٌ مرئي ..من يرى قعر البحر؟
إنه قاموس مفاجئ أما مكان العنكب هو المرئي الذي لايرى فيه العنكب بل يحتال في الاكتشاف .
جمال شفاف في قصة الغاتي … أشير لبعض الأشياء التي نأمل من الغاتي ألا تخلخل صورته الفنية في القبض على اللغة وتسييرها حسب رغبة القاص ؛ فاللغة هي أيضا سحر تنجز به رغبتك الكامنة في روح القصة والأدب ..يمتلك أسلوبا متميزا ..يبتعد به عن المألوف وهنا سر للنجاح .

السابق
سر العنكب
التالي
سينما

اترك تعليقاً