قراءات

قراءة في نص “سندريلا”

القصة للكاتبة سمر محمد عيد

نص القصة على مجلة لملمة من هنا

القراءة

العنوان
جاء العنوان مفردة، اسم لفتاة .”سندرلا” تلك الشّخصية المعروفة تختزل تجربة حياة كاملة، تقوم على صراع الخير و الشرّ، و غلبة الخير و الطِّيبة في النّهاية بزواجها من الأمير بعد أن وُفِّقَت في ما عجزت عنه بقية الفتيات. إذْ لم تستطع أيّة فتاةٍ وضع قدمها في فردة الحذاء الزّجاجيّة إلّا سندرلّا.
هذه “سندرلّا” الحكاية، فأيّة تشابه بين الشّخصيّتين؟ و كيف وقع استثمار هذه الشّخصيّة و الحكاية عموما في هذه القصّة؟ و الأهمّ: ما الإضافة في هذا الاستثمار؟

المتن
انفتحت القصة مباشرة بالعقدة( التأزم)، فيُصدَم القارئ، و ينشّط خياله للوقوف على الأسباب و العلل. و لن يكون مستغربا أن يستعيد، في بعض الوجوه، أحداث سندرلّا الحكاية- الإطار، فيسلك السّبل التي سارت عليها تلك الأحداث. هذا وارد جدّا لاسيما أن جملة الانفتاح خُتِمت بنقاط استرسال(…)، فهذا يترك للقارئ المجال واسعا للتّفكير و التّخمين و محاولة ربط الأسباب بالنتائج، و محاولة تصوّر الآتي. و بناء على ذلك ربّما مرّ القارئ مباشرة إلى نتائج قريبة ممّا رسخ في الذّاكرة الجماعيّة، فما تلا من الأحداث يُوهِمُنا بذلك.

( وجدها، عاد منتشيا)
فيكون سقوط البعض في هذا الوهم. و بذلك تكون القصّة نَسْخًا لما هو موجود لا غير. و السّؤال: ماذا أضافت هذه الق.ق.ج إذن؟!،

ثمّ تأتي النّهاية/ الخاتمة
(هشّمت رأسه بها)

بما يكسّر أفق المتلّقي و يصدمه، و يجعله يراجع كلّ أفكاره و حساباته، و يجبره على محاولة لملمة أفكاره من جديد، و قراءة النّص بشكل مختلف، تمهيدا لبناء نصّ موازٍ، و هذا من أهمّ خصائص الق.ق.ج.
و النّاظر في في الخاتمة يقف على ما يلي:

  • الفعل”. “هشّم” على وزن “فَعَّلَ”، مزيد بالتّضعيف الحاصل في عينه، و من أهمّ معاني هذا الوزن المبالغة و التّكثير.
    إذن “سندرلّا” لم تكتفِ بمجرّد الكسْر بوسيلة تتّصل بها( فردة الحذاء)، بل بالغت فيه حتى لم يعد هناك أمل في النجاة.
  • رأسه: المكان المستهدف بالتّهشيم و التّحطيم، مكان له دلالة، هو وعاء التّفكير، هو المحرّك الذي يستجيب له كامل البدن. إن تعطّل تعطّل سائر الجسد و فسد.

هذا النّص قطعا ليس نسخة ل”سندرلّا الحكاية”، و لا يجترّ أحداثها، و إنّما برأيي ينفتح على الحياة بمختلف جوانبها، و لاسيما السّياسيّة و ما يتّصل بها. فلا سندرلا سندرلا و لا الحذاء حذاء.

“سندرلا” رمز لكل سلطة و نفوذ و جاه ومركز عال… أما الحذاء فهو الوسيلة لوصول إلى تلك الغاية.
في واقعنا قد يسعى كثيرون( أفراد/ مجموعات/ دول) إلى الوصول إلى هذه السّلطة المغرية، فيتوسّلون بعدة وسائل، و لعلّ أكثرها إغراء و جاذبية: الحرّية.
و الحرّية، كما ذلك الحذاء الزّجاجي، برّاقة جذّابة مغرية خدّاعة… ولكنّها قد تتحوّل بسهولة إلى آلة تدمير فتّاكة لمن لا يحسن استغلالها أو لمن يطوّعها لأغراض مشوّهة وفق نوايا فاسدة.
إنّ النّاظر هنا و هناك يقف بيسر على استغلال الجماعات الإرهابية لأيّة مساحة من الحرّيّة للتّحرّك و ضرب مقوّمات المجتمع و الدّولة عموما، فتصيبهما في مقتل. كم من تحرّك يسعى إلى مسك زمام السّلطة(في المطلق) لإحداث التّغيير المنشود، فيتوسّل بالحرّيّة و الدّيمقراطيّة… إلخ، لكن سرعان ما يتحوّل كلّ ذلك إلى آلة تدمير و فناء بسبب ما يتلبّس بها.
التّغيير لا يحدث بالأماني، و لا في أرض زلِقة و رمال متحرّكة… لا بدّ من مقوّمات حقيقيّة تمهّد لذلك، و تكون صمّام أمان للوصول إلى الغاية المنشودة حتّى لا تكون مطيّة لبعض النّفوس المريضة لتدمير المجتمع تحت أيّ ذريعة كانت.

و عود على بدء، فهذا النصّ قد استجاب لكل مقومات القص القصير جدا: من تكثيف و إيحاء و خاتمة صادمة… و قد استطاعت الكاتبة بما استعملته من أفعال أن تبني مشهديّة واضحة( أغلبها أفعال حسّية حركيّة، و حدث راسم للحالة). و بما تملك القاصّة من مهارة و حسّ أدبيّ استطاعت أيضا أن تستثمر الموروث الحكائيّ أحسن استغلال لإنشاء قصّة طريفة(جديدة) معبّرة عن هواجس هي من صميم الحياة المعاصرة بعد أن طوّعت الحكاية الأصليّة فجعلتها مجرّد منطلق و وعاء، ولكن بعد أن ضمّخته( الوعاء) بدلالات جديدة و نهايات مفارقة.

“سندرلّا” قصة حبّ من نوع خاص جدّا تنتهي بوفاة المحبّ اللّاهث وراء عشقه. و هذا ينطبق في رأيي على السّياسة كما ينطبق على غيرها، و على كل لاهث، طامع، متعجّل لا يأخذ بالأسباب الحقيقيّة.

و قديما قال الإمام البصيري:

كم حسنت لذةً للمرءِ قاتلــةً
من حيث لم يدرِ أن السّم فى الدسمِ

تحية للمبدعة سمر محمد عيد

السابق
استغفال
التالي
مراهقة

اترك تعليقاً