قراءات

قراءة في نص “شَمْطَاء”

النص للكاتب أسامة الحواتمة

نص القصة على مجلة لملمة من هنا

القراءة

المقدمة:
ما أشبه ليلة القدس بأندلس البارحة…!
أمست فلسطين ذلك القرح الظاهر و الجرح الغائر في جسد الأمة ، بعد انتكاس أمة الإسلام، وانتشال من صدرها سورة البقرة و الأنفال وتلاشي سلطان القرآن والحكم بما أنزل اللّه الى زوال . كثرت جروح الأمة، وأزدادت تقرحاتها تفاقما مع مرور الزمن، لعدم وجود العلاج الشافي لقيام و ثبات دولة الخلافة لتحقيق وسطية الأمة.
إن الجرح الفلسطيني هو أشد هذه الجروح إيلاماً في جسد الأمة ، وأكثرها اتساعاً ، وأعمقها غوراً ، فبنو يهود الكفرة المستعمرين ، ما أنفكوا يسفكون الدماء، ويغتصبون الأرض التي باركها الله، و يعيثون فيها فساداً، ويعبثون بحرماتها ومقدساتها، ضد المسلمين في أرض الإسراء و المعراج.
يحدث هذا كله في فلسطين، تحت مسامع و أنظار مجلس الأمن؛ لكن المجتمع الدولي لا يحرك ساكناً، ويسوده صمت رهيب ، فلا يأبه بما يحدث ، وبما يقع من جرائم ومآسي ومظالم وانتهاكات وإرهاب.
و رد الفعل ما يسمى بالمجتمع الدولي هذا أمر طبيعي ، لكونه يطغى عليه نظام عالمي ظالم ، تسيطر عليه نفوذ قوى جائرة جبارة ، عدوة الشعوب ومعها الدول الكبرى التي تتخذ من الكفر والهيمنة والجبروت أساساً لسياستها.
أما الذي يحز في النفوس وتنفطر منه القلوب فليس هو المجتمع الدولي فحسب.. وإنما هو موقف غالبية حكام البلاد العربية والإسلامية الذين يتواطأون ضد أهل فلسطين وضد الشعوب الإسلامية، إنهم يتآمرون جهاراً نهاراً مع اليهود ، و أذيالها ، لتصفية و جهض القضية الفلسطينية.
التحليل الأدبي و الفني:
شمطاء هي صفة لأمرأة عجوز “أرض المقدس”.. ضحك الشيب عليها بارت صبرا، و شاخ شبابها و اصفر بستانها و قحط روضها من الرجاء و الصبر لكنها ثائرة لن تخضع و متمردة لن تقبع .
شمطاء.. ذلك العنوان المهموم المكسور والمغموم المدحور، نكرة لا حصر له و لا حدود لقصة قصيرة جدا بليغة المبنى، سامية المعنى.. برقت و معها غرة الملك، و عليها رواء الصدق، و فيها سيم العلم و عندها لسان المجد و لها صيال الحق؛ أبعادها انتروبولوجية، أكاديمية، علمية سياسية، اجتماعية، انسانية وفلسفية..اخبارية مكثفة الإيحاء، دقيقة الإنتقاء، موجزة النزعة السردية وباعثة الدلالة الرمزية، الإختزال والإضْمار .
ولعل أهمّ تلك الخصائص ما يلي: القِصَر، الإيجاز، الإقتصاد القولي، الإيحاء، الإيماض، إقتضاب المعنى، التوسع والعُمق الدلاليان .
هيكل البنية السردية منجم أدبي ممتع، آسر، و باذخ، توشح عظمة المبنى و لبس جلالة المعنى كسته دمغات قرآنية، تصور لنا معدن الكلمة الحرة الملتزمة و الفضيلة الربانية، قصة بلورية، تقرأ من كل الزوايا، و تنفتح على تأويلات عدة، حين تعرضها على ضوء من التدبر، تُـريك ألوانا قوس قزح… حركها بأي اتجاه وأفهمها كيف تشاء.. سرد كيمياء تتوازن فيها العناصر وتمتزج… اتسم بأفعال الحركة، نرى من خلاله زخرف الإيحاء و التلميح و الإثارة، مقرونة بالدهشة و المفارقة، غزير المناقب و بعيد المقاصد يستسغيها القارئ…
“تِلْكَ الَّتِي هَجَرَتْ قَطِيْعَ الْأَبْقَار”.. الفقرة لمسات بيانية بديعة معبرة تفاعل و انفعال.
“تِلْكَ”.. كلمة وظيفيَّة اسم إشارة لخطاب مباشر، للمفردة المؤنثة البعيدة. دلالة الرِفْعَة وسَنَاء و رمزية الشَرَف والعَظَمَة.
“هجرت قطيع الأبقار…” إشارة و رمز للجَفَاء، الرَحيل، المُفارقة، و النُفُور من أحبة لا أمان و لا عهد لهم.
“لَمْ يُرَوِّض جُنُوْنَ حُلْمِهَا هُدُوْءُ الْمُحِيْط”.. الفقرة بليغة و بديعة اشارة الى قيد ارادتها و تكبيل طاقاتها.
“حَطَّتْ حِذَاءَهَا الْأَيْمَن فِي كَنْعَان…”
إبداع فني و فكري ساحر، يخاطب العقل، والروح، والوجدان، والذات، والكون والحياة… فبعد الرفعة انخفاض و بعد العز مذلة، سلمت ذاتها، أمرها و مصيرها… دلالة لمقام الأسى و الكأبة و تلميح لليأس و التيئيس.
“كنعان..” لفظ كنعان هو لفظ مأخوذ من كلمة كنَع، التي تعني المنطقة المنخفضة من الأرض، ﻣﻨﻄﻘﺔ ﺗﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﺳﺎﻣﻴﺔ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﺮﻕ ﺍﻷﺩﻧﻰ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ تعاقبت فيها أسمى الحضارات و ﺗﺸﻤﻞ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻓﻠﺴﻄﻴﻦ ﻭﻟﺒﻨﺎﻥ ﻭﺍﻷﺟﺰﺍﺀ ﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻷﺭﺩﻥ ﻭﺳﻮﺭﻳﺔ.
“مَصَّتْ أَوْرِدَةَ الْشَّرق…” الفقرة توشحت عمق الوصف و بلاغة التصوير… و ما إن ﺗﺪﺍﻋﺖ ﺍﻷﻣﻢ ﻋﻠﻰ ﺃﻣﺘﻨﺎ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، نزفت جرﺍﺣﻬﺎ، و تفككت ﺃﻭﺻﺎلها، و تشتتت كلمتها، و ﻋﺠﺰﺕ أﻥ ﺗﺤﻞ ﻗﻀﺎﻳﺎﻫﺎ، ﻓﺄﻭﻗﻌوها في الدمار، و ﺯﺭعوا فيها ﺑﺬﻭﺭ ﺍﻟﻜﺮﺍﻫﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﺪﺍﻭﺓ ﺑﻴﻦ الشعب الواحد و ﻣﺰﻗﺘﻬﻢ ﺇﻟﻰ ﻓﺮﻕ ﻣﺘﻨﺎﺣﺮﺓ، ﻭﺻﺮﻓﻮﻫﺎ عن ﺍﻟﺘﻼﻗﻲ، ولم الشمل ونبذ الشرخات. ﺍﻷﻣﺮ خطير و محدق ﻻ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺍﻟﻰ ﺗﺴﻮﻳﻒ ﻭﻣﻤﺎﻃﻠﺔ، لأﻥ أﻋﺪﺍﺀ ﺍلأﻣﺔ ﻻ ﻳﻤﻠﻮﻥ ﻓﻲ أﺳﺘﺌﺼﺎﻝ ﻗﻮﺓ ﺍﻷﻣﺔ، ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺪﺓ ﻣﻦ ﺗﻤﺴﻜﻬﺎ ﺑﺪﻳﻨﻬﺎ ﻭﻗﻴﻤﻬﺎ ﻭﺃﺧﻼﻗﻬﺎ ﺍﻻﺳﻼﻣﻴﺔ، و منعهم للوقوف مع قيام دولة فلسطين.
“لَمَّا أَوْحَلَتْ بِنَهْرِ الْأُردُنِّ عَرَجَتْ بِلَا إِسْرَاء…” تلكم النهاية الصادمة و القفلة المدهشة التي تربك المتلقي بإيجازها وإضمارها وتكثيفها، فتترادف القفلة مع الخرجة.
الفقرة صرخة مظلوم و صيحة مهزوم، يندب إيمانه و يبكي عقيدته و ينوح مذلة و خساسة العرب.
المشهد رهيب و المقام لا تشرحه العبارة… والموقف لا تفسره العبارة، و لا يعبر عنه البيان، ولا يفصح به اللسان، ولايشرحه الكنان ولا البنان، و لو أنني أوتيت سحر البيان للتصوير والتعبير ما استطعت أن أصف هذا المشهد المخذل لمقام الخزي و العار لأمة.. “ﻭَﺍﻋْﺘَﺼِﻤُﻮﺍ ﺑِﺤَﺒْﻞِ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﺟَﻤِﻴﻌﺎً ﻭَﻻ ﺗَﻔَﺮَّﻗُﻮﺍ”…
“أوحلت…” أي ساخت و رسبت في الوحل و غرقت في مزيج من ماء و تراب بنهر الأردن.
ﺍﻹﺳﺮﺍﺀ منقبة و فضيلة ﻭﺍﻟﻤﻌﺮﺍﺝ مَأْثَرَة ومَحْمَدَة.. يُعد ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻘﻴﺪﺓ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻷﺣﺪﺍﺙ ﺍﻟﻀﺨﻤﺔ ﻣﻦ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﺪﻋﻮﺓ اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ، ﺳﺒﻘﺘﻪ ﺍﻟﺒﻌﺜﺔ ﻭﺟﺎﺀ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻬﺠﺮﺓ .
ﻭﻫﻲ ﺣﺎﺩﺛﺔ ﺟﺮﺕ لرسول الله(ص) فأرسل ﺇﻟﻴﻪ ﺟﺒﺮﻳﻞ ليكلفه ﺑﺮﺳﺎﻟﺔ ﺩﻳﻨﻴﺔ ﻳﺒﻠﻐﻬﺎ، ﻓﻲ ﺭﺣﻠﺔ ﺳﻤﺎﻭﻳﺔ برفقة ﺟﺒﺮﻳﻞ ﻋﻠﻰ ﺩﺍﺑﺔ ﺗﺴﻤﻰ ﺍﻟﺒﺮﺍﻕ، انطلاقا من بيت المقدس، ثم ﻋﺮﺝ ﺑﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻸ ﺍﻷﻋﻠﻰ ﻋﻨﺪ ﺳﺪﺭﺓ ﺍﻟﻤﻨﺘﻬﻰ.
القصة تعرج بنا حيث السمو و الهمة و تزدلف بنا الى ظلال الديانة السمحاء و الرسالة الإلهية.
كل الشكر لمشرف الفقرة الأستاذ النير.. عصام الحاج عزمي وزوز و الثناء و العرفان للفنان القاص
أ. أسامة الحواتمة/الأردن، نبغ بامتياز… حقا كان ثاقب البصر و حصيف البصيرة، فأحسن السفارة و أستوف العبارة و أستنار الألفاظ و أدرك الأغراض و أصاب شواكل المراد…
القصة أيقونة أدبية أصيلة و جوهرة فنية رفيعة؛ مسحة ألوان، و نأمة أوزان وقضايا إنسان.

السابق
شَمْطَاء
التالي
فهمٌ

اترك تعليقاً