قراءات

قراءة في نص “عصفورة”

النص للكاتب إسماعيل بويحياوي

النص على مجلة لملمة من هنا

القراءة

العنوان لغوياً:
العُصْفُورَةُ : مؤنَّث العُصفور، و الجمع : عَصَافِيرُ : جنسُ طيرٍ من الجواثم المخروطيات المناقير، و قد اتّسع إلى مناح أخرى كالمثال: أَصَابَ عُصْفُورَيْنِ بِحَجَرٍ وَاحِدٍ . و عُصْفُورٌ فِي اليَدِ خَيْرٌ مِنْ عَصَافِيرَ فِي الشجرة. و منه المجازغَنَّتْ عَصَافِيرُ بَطْنِهِ : إذا جَاعَ . و طَارَتْ عَصَافِيرُ رَأْسِهِ : إذا تَكَبَّرَ. و قد يتّسع المعنى على ما هو أبعد من ذلك، فالعصفور: عظمٌ ناتئ في جبين الفرس، و العصفورة أيضاً : خَشَبَةٌ على شكل عُصفور يُغْلَقُ بها الباب. و منها عصفورةُ الجَمَل : خشبة معقوفة يُثبَّتُ فيها الحبلُ المشدودُ على حِمْلِه… يتّضحُ من كلّ هذا أنّ اسم عصفورة، قدْ يتّسع في مجاله الواقعي و المَجازي..

النّص يتحدّث عن رائدة من رواد الفيسبوك، هذا الفضاء الأزرق الذي أصبح يستقطبُ ملايين الرّواد من مختلف بقاع العالم، بشكل مريب . حتّى أصبحَ يشكل إدماناً حقيقياً لا يمكن الاستغناء عنه. و لقد أعقب هذا الادمان تصرفات و سلوكات تكشف عن حقيقة (الفسبوكي) الفكرية و التربوية و النفسية و الثقافية..
فالنص ينقسم إلى أربعة مقاطع تختلف من حيث القصر و الطّول:

1 ــ (يقتلها الفراغ.): المعنى مجازي ، و نجده رائجاً في النّطق العامي إذ لا يراد به القتل الحقيقي، و إنّما المراد الانهاك و التّعب، و الرّوتين اليومي، و قلّة العمل ، و الشّعور بالفراغ المهول…و هذا ينمّ على أنّ العصفورة (الفيس بوكية)، ليست في حاجة لعمل، و أنّها قد توفرت لها كلّ الحاجيات و الإمكانات و ظروف العيش.. التي تغنيها أن تعمل، أو تفكر في شغل تقوم به ..و قد يعني ذلك أيضاً فراغاً عاطفياً كما سنرى…

2ــ (في كلّ حين ترسل تغريدة حبّ في فيسبوك الغابة.) لملء فراغها، عمَدت إلى حاسوبها و بالضّبط إلى موقع الفيسبوك، و في كلّ حين تكتب جملة تنزّ بالحبّ و العواطف، و كأنّها فعلا تعاني حرقة الجَوى..

3 ـ (تشكرُالمعجبين.) و لفيسبوك الغابة مُعجبون كثر، يبدون إعجابهم بالصّالح و الطّالح، و بخاصّة إذا كان من عصفورة (أنثى). أحياناً جملة، مجرد جملة عادية، يبلغ عدد المعجبين رقماً هائلا، وأحياناً مجرد صورة شخصية، تحرز على إعجاب يفوق التّوقع.

4 ــ (تفتح الخاص وتؤكد لكلّ واحد منهم أنّ لا حبيب لها غيره.) بعد شكر المعجبين… و الاهتمام بكلماتهم الجوفاء . تخلو إلى الخاص لتؤكّد لكلّ واحد مدى حبّها ، و أنّ لا أحد غيره يحظى بحبّها.و لربّما تخبره أنّ تغريدة الحبّ كانت من أجله ، و له وحده، و وحده فقط . و كلّ هذا لملء الفراغ. و قد يكون اسمها حقيقيا، أو غالبا غير حقيقي. و قد تكون صورتها في (بروفيلها) حقيقية، وقد تكون في الغالب مُستعارة، وبين عصفورة تتسلى ببلاهة، و رعونة، ببث العواطف ، و بوهميين من الكبث يستلذون كلّ ما يُكتب من طرف أنثى. و يغرقون في الأعماق، إذا تطور الأمرُ إلى المكاتبة عبر الخاص.. فبين كلّ ذلك تتجسّد الغابة الفيس بوكية.

النّص لمحة انتقادية ساخرة، لما أحدثته مواقع التّواصل الاجتماعي، منذ الرّبع الأخير من القرن العشرين إلى الآن منْ أثر، في عقلية و تفكير روادها…ما يستدعي دراسات اجتماعية نفسية، لمعالجة وضع سلوكي يتفاقم يوما بعد يوم. بحيث يتوقف ما هو واقعي، أو يلغى ، ليطغى ما يشكل عالماً افتراضياً، يعرف انجليزيا بمصطلح : (Virtual Reality) عالم افتراضي يستبدّ بكلّ شيء. إذ يصبح الشّغل الشّاغل، الذي يهيمن على الوعي والواقع الشّخصي. حقاً ليس كلّ ما في العالم الافتراضي سيئاً، بل هو ككلّ المخترعات له سلبيات و إيجابيات. و لكن ما دمنا بصدد النّص القصصي، و الذي يركّز على بعض سلبيات الفيس بوك، نقف عند هذا ملياً.
فالذي شدّ العصفورة/ شخصية النّص، هو الفراغ المهول، و حبذا لو فكرت أن تملأه بما هو مفيد و ناجع في الفيس بوك أو غيره. و لكنّها وجدت متعتها فيما تكتبه من جمل عاطفية، سرعان ما يتهافت عليها المُعجبون، يمطرونها بكلمات الإعجاب، التي تنتشي بوقعها و أثر معانيها، و كأنّهم صادقون فيما كتبوا ، و كأنّها واثقة من ذلك… فتشكرهم لحسن تجاوبهم. و لا تكتفي ، بل تفتح الخاص، و تفاتح كلّ واحد بألاّ حبيب غيره. و له في الطرف الآخر أن يصدق أو لا يصدق. و يحلم و يأمل ما يشاء.. فهي تدرك أنّها تتسلى عاطفياً، و تستجيب لدافع داخلي لما تعانيه من فراغ …
و اللافت للانتباه، أنّها شخصية جرّيئة، أو هكذا أرادها القاص اعتمدت الفعل بدون حرج : ترسل تغريدة حبّ، و تطرق خاص الآخرين، و تعرب لكلّ واحد ــ كاذبة ــ ألا حبيب لها غيره. و كأنّ في النّص ما يوشوش أنّ المرأة مع وسائل التّواصل الاجتماعي، تحررت من خجلها، و مما كان يقيدها من تقاليد، وأعراف، و رقابة أسروية، و اجتماعي، و بخاصّة إذا كانت باسم و صورة مستعارين .

فنّيــاً :
1ـ ابتعد القاص إسماعيل البويحياوي كثيراً عن أسلوبه المَعهود، الذي نجده في مجموعاته القصصية :” ندف الرّوح” و “قطف الأحلام” و”طوفان” و “أشرب وميض الحبر” حيث كانت الكثافة اللّغوية، و الرّمزية العميقة، و الدّلالة المتشظية. و الغموض الفنّي مع كثرة التّناص، و التّعامل مع التّراث… في هذا النّص وعلى خلاف كلّ ذلك، عمد إلى بساطة اللغة. و واقعية الإجراء التّعبيري، و السّرد المحكم، و تآلف الجهاز الحكائي…

2 ــ اعتمد القاص الجملة الفعلية، فهيمنت على النّص:[ يقتلها الفراغ..تشكر المعجبين..تفتح الخاص.. تؤكد لكلّ واحد..] وشبهُ جملةٍ واحدة من الجار والمجر : [ في كلّ حين..]

3 ــ الرّمز ، و جاء يخصّ شخصية النّص، إذ رمز إليها السّارد “بالعصفورة ” فوظف فعل (تغرد)، و هذا عُرف وشاع في موقع الطائر الأزرق تويتر (Twitter) كما هو معروف، و إنْ استعاره القاص إلى الفضاء الأزرق الفيس بوك. كما أنّ ” عصفورة” في غير هذا قد تنطبق على شخصية القصّة، التي هي دائمة التنقل من خاص لخاص تبث لواعج غرامها الافتراضي للأخر، تماماً كالعصفورة الدّائمة التّنقل من غصن لأخر…كما نلاحظ أنّ السّارد جعلها تغرد في فيسبوك الغابة. و كلمة الغابة رمز لحياة البشر التي استحالت غابة غير مأمونة و لا آمنة.. لاختلاط الصّالح بالطّالح، و الخبيث بالطّيب…و هذا ما يعكسه الفيس بوك من خليط بشري غير مُتجانس، من كلّ الطّوائف و الأطياف، و الأصول والأجناس، و أنماط التّفكير المختلفة…
كما أنّنا نلمس الرّمز اللّغوي في الجملة التي تتصدر النّص: [ يقتلها الفراغ] هو ليس بالضّرورة الفراغ من قلّة العمل، أو عدم الرّغبة فيه و ممارسته..و إنّما الفراغ العاطفي، ( Un vide émotionnel) الذي تعاني منه الكثير من الأوانس، بل و السّيدات المتزوجات أيضاً ، لشعورهن بالإهمال و عدم الاهتمام بهن، لظروف خاصّة قد تعود لحالة الزّوج نفسياً أو اجتماعياً ..و الشّاهد على ذلك، كتابة البطلة العاطفية عن الحبّ، واقتحام “الخاص” للآخرين والاستمتاع بإعلان عواطفها لكلّ واحد، و لا شكّ الاستمتاع أكثر بمدى الرّد و نوعيته…

4 ــ هناك ترابط علائقي/ وظيفي بين جملة تصدير النّص و الجملة الأخيرة التي تشكّل الخرجة، أو ما يعرف (بالقفلة) على شكل : سبب / نتيجة
[ يقتلها الفراغ ] ← [تؤكد لكلّ واحد منهم أنّ لا حبيب لها غيره ].

فالنّص رغم قصره، استطاع أن يعكس صورة لنموذج يرتاد الفضاء الأزرق لملء فراغ عاطفي، بشكل يبدو غريباً. و لكن لا غرابة في حقيقة نفسية تعاني منها الكثير من النّساء، بصمت و إحساس بالغبن و الحرمان، و عدم إحساس الأزواج بعمق هذه المأساة العاطفية التي قد تتطور إلى الأسوء. بل لا غرو أن هذا الإحساس يعاني منه كذلك الذّّكور. و إلاّ ما كان كلّ هذا التّهافت على الصّور و الجُمل الجوفاء…
فهنيئاً للقاص إسماعيل البويحياوي على هذا النّص، الذي اتّسم بالعفوية، والسّخرية و الانتقاد و الكشف عن المَسكوت عنه من خبايا النّفس و علاتها…و هوس رغباتها…

٥

السابق
عصفروة
التالي
اصدقاء

اترك تعليقاً