قراءات

قراءة في نص “عيد”

القصة للكاتب بسام الأشرم

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

النص عبارة عن أغنية باكية وحزينة وموجعة يصور فيها الكاتب المتفاعل مع أحزان وطنه الكبير ووطنه الصغير حال الوطن في العيد تصويرا ساخرا وفانتازيا، فهو يجعل العيد شخصا من لحم ودم اعتاد الحضور في كل عام حاملا أدوات اللهو البرئ للأطفال ليشاركهم فرحتهم بالعيد، لكنه حين جاء هذا العام وجد المكان خرابا والبوم ينعق فوقه، لم يجد ساحة العيد الخضراء الممتلئة بالحياة، فالاشجار تفحمت واجتثت من الجذور، وكل علامات المكان احتفت، والصغار الذين كانوا يزحمون المكان ليسوا موجودين، بل توسدوا الثرى بفعل حرب لم يكونوا طرفا فيها، العصافير غائبة أيضا، نادى العيد على الأطفال باسمائهم ، لم يستجيبوا، سقطت المراجيح والبالونات من يده،ثم حلقت البالونات نحو السماء حيث عرفت ان الملائكة الصغار قد صعدوا اليها ليحتموا بها من قسوة الدنيا .يختزل بسام الأشرم الموت في هذا التصوير(َتطايرت بالوناته تعالت إلى السماء حيث هُم هُناك نائمون)، فالموت هنا ليس فناء ولا عدما ولا نهاية، الموت هنا سكينة وانتقال من عالم مسكون بالموت والفجيعة والرعب الى عالم عامر بالسكينة والسلام ينام فيه الصغار ملء جفونهم في سلام. الموت هنا خلاص وانعتاق.
النص مبنى من عدة مشاهد يكمل بعضها بعضا وتوحى مجتمعة بالمغزى الكلي وذلك كما يلي:
عتبة النص:
جاء حامِلاً أرجوحة و بالونات ملونة ..)
باحِثاً عن ساحة خضراء كان يُراقِص فيها أطفال بلدتي)
هذا المشهد الافتتاحى يصور قدوم العيد حسب العادة المسقرة منذ زمان بعيد في كامل هيئته وعدته للاحتفال مع الصغار في مكان اعتاد فيه ذلك.
المشهد الثانى:
(هُنا .. لا لا بَل هُناك .. ما هذا الرُكام .. ؟!
أين الشجيرات و الساحات و علامات المكان .. ؟
أين أطفالي و عصافيري الملونة .. ؟
_ هناء .. سناء .. حَلا .. رَشااااااا .. !)
في هذا المشهد الثانى يدفع الكاتب الأحداث في خط صاعد الى الأمام، ويصور المفاجأة غير المتوقعة التى كانت تنتظر العيد( في بلاد يموت في الحرب الداخلية أطفالها)، فالعيد فوجئ بالأرض الخراب وبذلك الدمار الشامل الذى أحال كل شئ الى رماد،فساحة اللهو البرئ تحولت الى ساحة معركة احتلتها بدلا عن المراجيح المدافع والقذائف،سحقت الحياة وكل مظاهرها من شجر وطيور وبشر وعلامات، صاح العيد بأعلى صوته مرتاعا ومرعوبا مناديا أطفاله، فلم يجبه أحد منهم. يبدو المشهد هنا صادما وموجعا ونكاد نرى اشلاء أطفال غزة والعراق وسوريا تملأ الساحات، نكاد نشم رائحة الشواء البشرى ، ونكاد نرى أعواد المشانق المنصوبة مكان المراجيح، والرؤوس المقطوعة تحلق بدلا عن البالونات الملونة، والطيور مشوية، وضفائر الصغيرات طافية فوق العطن.
المشهد الثالث:
(سَقَطَت من يده أرجوحته ..
تَطايرت بالوناته تعالت إلى السماء حيث هُم هُناك نائمون)
في هذا المشهد الختامى يصور الكاتب ببراعة رد فعل العيد على ما رآه من فظائع،كان رد الفعل الأول التخلى عن أدوات اللهو( سقطت من يده أرجوحته) وهذا طبيعي لأن المقام لم يعد مقام لهو برئ، والأرجوحة باتت تعادل الأنشوطة، والعيد صانع فرح وحياة وليس قاتلا، رد الفعل الثانى جاء من البالونات وليس من العيد(تَطايرت بالوناته تعالت إلى السماء حيث هُم هُناك نائمون) فالبالونات تنتمى الى الأطفال والسلام ولاتنتمى للحرب والدمار، لذلك كان طبيعيا ان تتمرد البالونات وتهاجر خلف الأطفال الضحايا لتلحق بهم حيث ينامون كالملائكة في السماء هروبا من المدن الموبؤة بالموت والدمار. وهكذا يبوح النص بمشاهده الثلاثة بمغزاه االرافض لكل ما يجرى على الأرض من قتل وسحل وخراب.
هو نص جميل محكم في بنيته ومغزاه ، وتنتمى القصة هنا للقصة المشهديةالتى تعتمد على مشهد وحيد أو عدة مشاهد توحى بالمغزى، وهى تختلف عن القصة القصيرة جدا في غياب عنصر التكثيف وغياب النهاية المتوهجة الصادمة التى تتميز بها القصة القصيرة جدا، ففي القصة المشهدية توزع النهاية على النص بكامله، ففي قصة (عيد) بدأت النهاية منذ عتبة النص وجاء تطوير لها في وسطه واكتملت في المشهد الأخير.

السابق
الهدنة
التالي
هاوِ

اترك تعليقاً