قراءات

قراءة في نص “مهاجر”

للكاتبة كفاح قواس

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

مهاجر عنوان ملفت وفاضح للنص فقد جاء نكرة كدلالة على هجرة قسرية لأعداد كثيرة من البشر، وتعمّدت الكاتبة جعله فرداً وليس جمعاً حتى تصل بنا إلى قصة بطلها كمثال لهؤلاء التعساء.
بدأت الكاتبة نصها بجملة “لم يثنه هجوم الأمواج على خطواته الملقاة على الرمال ولا رؤوس الصخور المدببة بالعدول عن هدفه”
عبارة أوضحت إصرار البطل على الهجرة وخوض غمار البحر رغم جل الأخطار المحيطة به بتلميح معبر عن أهوال وغدر البحر الذي لاح أمامه من خلال الأمواج التي أخفت آثار خطواته على الرمال وسيره على رؤوس الصخور المدببة والدامية للقدمين، ومع ذلك لم تثنه المؤشرات عن هدفه.
” التفت مودعاً الدمار الذي كان يلاحقه ويبني جبلاً من الركام خلفه وتابع الغوص بدموعه، كان آخر خيار له والخيار الوحيد”
بهذه الفقرة المؤثرة عبرت الكاتبة بدقة وبكلمات منتقاة عن الأسباب التي دقعته للمغامرة والهروب من الدمار الذي لحق ببته والبيوت المجاورة وكيف شيّد جبلاً من الركام فلم يعد له مأوى وبحث عن عدة خيارات للأمن والأمان فلم يجد أمامه إلا البحر ..”كان آخر خيار له” رغم علمه بخطورة مجازفته وكأن الكاتبة تريد أن تقول ” ما رماك على المر إلا..”
“- لن أعود “
كلمتين عبرت بهما الكاتبة عن إصرار بطلها على المجازفة بحياته حتى لا يدفن تحت الركام أو يتطاير جسده أشلاء، ثم جاءت بعد ذلك كلمتين “قالها بإصرار” ولا أرى ضرورة لهاتين الكلمتين لأن ما سبقهما عبر عن هذا الإصرار “لن أعود ” .. لن هي أداة نافية للمستقبل وتفي بالتعبير عن خياره بلا تردد.
سارت بنا الكاتبة إلى حجم الأهوال والمآسي المؤلمة التي حاقت بالمهاجرين في صراعهم من أجل البقاء مع البحر الغادر والمخادع بجملة عرضية أقرب إلى التقريرية “هو البحر يبتسم عن موجتين وعدة مصائر في جوف حيتانه أو على جزيرة منفية لا صاحب له غير قصص تتناثر أشلاء أبطالها على حواف من كان يسميه وطنا”
أرادت الكاتبة بهذه العبارة وضع المتلقي في خضم الأهوال والمخاطر التي لحقت بالمهاجرين والمشردين ومن لم تفتتت جثثهم أشلاء على حدود الوطن.
” لأول مرة يلوك رضابه المر في فمه وهو يردد ” – وطن !! ” عبارة صورت وضع البطل “المهاجر ” مع غدر البحر رغم ابتسامته الساحرة، فلاك رضابه المر في فمه، أي بدأ المهاجر في الغرق في غيابات البحر وهو يردد.. وطن..
واستمرت الكاتبة مع البطل في رسم لوحة غرقه وابتلاع البحر لجسده وروحه المفعمة بالهموم..
” كررها مرة، مرتين وفاض الملح من جوفه في المرة الثالثة، تقيأ جدران بيته، أثاثه ونافذته التي كانت مأوى للعصافير إلى أن فرغت أحشاؤه من آخر جنح عصفور، تقيأ هويته ومسقط رأسه “
ابتلعه البحر غرق المهاجر وهو يتقيأ بيته المدمر ونافذته التي تتغازل على حوافها العصافير واستمر في التقيّؤ حتى لفظ اسمه ومسقط رأسه فلم يعرف له اسماً ولا هويةً.
“دفن اسمه تحت الرمال ليخفيه عن عيون اللاهثين المنتفخة بطونهم من موائد العزاء الحافلة بما لذ وطاب من أحلامه”
عبارة صاغتها الكاتبة بعناية فكل كلمة معبرة عن المهاجر بطل النص الذي غرق مجهول الاسم والهوية وعن أولئك الذي يتلاعبون بمصير الوطن ويدفنون الشعب تحت الرمال والركام ويتشدّقون بكلمات الرثاء والعزاء وهم يلتهمون ما لذ وطاب على موائد العزاء أي يجنون الأموال وتنتفخ بطونهم من دماء وأموال الشعب والوطن .
” تنهد وتابع..” كلمتين توضح كيفية استمرار البطل في الغرق في أعماق البحر دون ندم رغم الألم والقهر.
هيأت الكاتبة المتلقي الى الحبكة “فجأة تذكر بأنه مصاب برهاب البحر عندما التفت حوله دوامة من الأسماك وأخذت تدغدغه برقصاتها المنتشية لرائحة جسده”
بعد أن أصبح جسد البطل “المهاجر” يهيم بلا روح في أعماق البحر تذكر أنه مصاب برهاب البحر وقد أكدت ذلك الكاتبة بالعبارة غرقه كغيره من المئات الذين قذفتهم المراكب والسفن الصدئة إلى عتمة البحار مجهولي الهوية منهم من التهمته الأسماك وآخرون قذفتهم الأمواج إلى شواطىء بعيدة جثثاً مترامية.
ثم جاءت الحبكة التي قدمت بها الكاتبة الصورة المقيته لأمثال هذا المهاجر فحتى أطواق النجاة لم تنقذهم من الغرق والموت لتكون أجسادهم وجبة دسمة للأسماك والحيتان.
“ضحك لخيبة تلك الأسماك عندما تكتشف بأنه مجرد هيكل عظمي يقيده طوق نجاة”
كل التحية للكاتبة المبدعة كفاح قواس على هذا النص الرائع .. وهذه قراءتي المتواضعة لنص رائع وأعتذر للكاتبة عن أي قصور في القراءة والتحليل لنصها.

السابق
قراءة في نص “وأد”
التالي
زهرة

اترك تعليقاً