قراءات

قراءة في نص “مَصائِدٌ”

للقاص أحمد سعد
نص القصة

مَصائِدٌ
قفزَ من الحافلةِ المُسرِعَة ؛ دخلَ المقهى ليستريحَ قليلًا ، راقَهُ أنْ يجلسَ على طاولةٍ قريبةٍ منْ الأشيَبِ المُتأنّقِ ؛ علّهُ يغْفلُ عنْ حقيبتِه المُكتظّة ، دلفَتْ الكاعبُ تتكفّفُ النّاس ؛ ناولَها بِضْعةَ جُنيهات ، بيْنما تسمّرتْ نظراتُ المُتأنِّقِ على جسمِها البَضّ ؛ اقتحمَتْ عيناهُ عينَيْها ؛ ارتبكَتْ ؛ ابتسمَ مُشيرًا لها بالجلوس ؛ لانتْ… بيْنَما أغْوَى اللِّصُّ الحقيبَة .

رابط القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

بداية من العنوان (مصائد) الذى ينسحب على أشياء عدة.. أولها وجود فريسة.. ينصب حولها الصيادين مصائدهم، فالعنوان جاء بصيغة الجمع، وهنا يفتح طاقات عديدة عن المتلقى تحسه بشدة إلى تناول النص عله يشفي غليلة للتعرف ولو على مصيدة واحدة من تلك المصائد.
فهيا نلج إلى متن النص ونحن في جعبتنا تلك الإنتباهة لكى نقبض على مكنون العنوان، فنجد “الكاتب” بدأ سرده بفعل ماضى (قفز) ليشعل في خيالنا توقدا.. ليس هذا وحسب، بل أتم الجملة بالوصف السريع..
(قفزَ من الحافلةِ المُسرِعَة)
ليكون الفعل في مكانه وموضعه تماما منخرطاً، ومنسجماً مع الجملة؛ ليحرك داخلنا سؤال: كيف؟ ولماذا؟
وهذا من صميم بناء “القصة” فلابد للكاتب أن يجيب على أربعة أسئلة يبحث عنها المتلقى (كيف؟ لماذا ؟ متى؟ أين؟) ـــ وقع الحدث.
ثم يأتى بالفاصلة المنقوطة (؛) التى تعني التتابع المشروط بالنظر في القادم .. ليكمل الجملة التى لايمكننا رفع حرفاً واحدا منها، وإلا اختل السرد..
(قفزَ من الحافلةِ المُسرِعَة ؛ دخلَ المقهى ليستريحَ قليلًا).
لتكتمل الصورة أمامنا تماماً، وهذا الجزء يماثل البداية في (القصة القصيرة).
لنأتى إلى المشهد الثانى الذى يمثل “الدراما” في النص.
(راقَهُ أنْ يجلسَ على طاولةٍ قريبةٍ منْ الأشيَبِ المُتأنّقِ؛ علّهُ يغْفلُ عنْ حقيبتِه المُكتظّة).
وهنا نبدأ القراءة ونسأل: من الذى قفز من الحافلة، ودخل يستريح بالمقهى، ونحن لا ندرى ماذا أتعبه حتى يستريح، ليفتح لنا آفاق التخيل، والمعايشة مع النص ونطرح السؤال تلو الأخر، وهذه المتعة في الكتابة بهذا الجنس من الأدب، ونجد “الكاتب” يمد لنا خيط التخيل والإمعان.. بأن “بطله” راق له الجلوس على طاولة قريبة من الأشيب المتأنق في نقلة ساحرة.. لنستخرج ما بين السطور أن من (قفز) شاب، أو على الأقل ليس بأشيب، وهى دلالة على صغر سنه، ثم يضع الفصلة المنقوطة (؛) ليلحق بها جملة مكملة للسرد، والتى تشكل (عقدة) القصة ببراعة منقطعة النظير.. (علّهُ يغْفلُ عنْ حقيبتِه المُكتظّة).
ونفهم من هذه الجملة بداية طرف “المصيدة”، وقراءتى.. أن من قفز يمثل (طعم) يشاغل الزبون، وبلغة أصحاب الكار (يقفل) عليه، ليتيح الفرصة للسارق أن يقتنص وليمته.
ويستمر “الكاتب” في تصعيد الموقف إلى ذروته، ونحن نتتبع المشهد الذى أجاد الكاتب رسمه، ونحن نلهث خلفه..
(دلفَتْ الكاعبُ تتكفّفُ النّاس؛ ناولَها بِضْعةَ جُنيهات).
وهنا يكمل الصورة.. دخلت (الكاعب) والكاعب تعنى في اللغة الحسناء.. تتكفف الناس ـ تمد يدها تتسول من الناس.. يناولها من جلس بالقرب من الأشيب بضعة جنيهات.. لنكتشف أن هذه الحسناء ضمن “المصائد” المنصوبة كطعم.. وأن ما أقدم عليه “البطل” ما هى إلا خديعة مظهرية أمام الفريسة، لكونه قدم بسخائه على الحسناء ببعض الجنيهات ليحكم الفخ، فتفلح هذه “المصيدة” في هذا..(… تسمّرتْ نظراتُ المُتأنِّقِ على جسمِها البَضّ ؛ اقتحمَتْ عيناهُ عينَيْها ؛ ارتبكَتْ ؛ ابتسمَ مُشيرًا لها بالجلوس ؛ لانتْ… ]
وهذه أول مراحل فك (عقدة) النص التى تصف مرحلة التوهان الذى تصيب الفريسة عند الاصطياد.. غيرالاسقاطات المختلفة الأخري المتباينة.. رامزاً ومؤكدا أن لكل منا نقطة ضعف يتم استدراجه منها.
ثم يأتى “الكاتب” إلى (القفلة)..
[بيْنَما أغْوَى اللِّصُّ الحقيبَة].
وهى قفلة جاءت من سياق النص.. غير أن ما ميز الكاتب استحدمه للغة العربية الفصحى الرصينة، ولما لا ؟ وهو من هو!
كل التحايا للأستاذ / أحمد سعد.

السابق
حاكم
التالي
ديكتاتور

اترك تعليقاً