قراءات

قراءة في نص “نيبيرو”

بقلم الكاتب هادي المياح

نص القصة على مجلة لملمة من هنا

القراءة

القصة نيبيرو من المجموعة القصصية للقاص العراقي الأستاذ هادي المياح المعنونة ب حينما تتنفس الأشياء…وقد طرحت موضوعاً من المواضيع الحساسة التي تشغل و تثقل بال و فكر الإنسان المعاصر، المتمثل في الصدمات الإعلامية الهدامة التي يتلقاها من خارج واقعه المتمثلة في وسائل الإعلام الحديثة الثقيلة و مدى تأثيرها في صناعة الرأي العام بالسلب أو الايجاب، خاصة منها مواقع التواصل الاجتماعية، الانترنيت و ما تحمله من تيار معلوماتي عملاق و جارف، و التي وصلت إلى درجة غرق الإنسان في لجة القلق النفسي و التوتر العاطفي و الاختناق في محيط المعلومات بصحيحها وكاذبها، بجدها وهزلها، وقد صور القاص هذا التأثير بصورة أدبية موفقة في قالب قصصي ممتع وجذاب، خاصة فيما يخص احتمال اندلاع حرب عالمية ثالثة، تفنى البشرية من كوكب الأرض أو ترده مئات السنين إلى الوراء، وكأن كاتب هذه القصة يريد أن ينبهنا إلى هذه الأخطار محدقة بالبشرية من خلال هذه القصة القصيرة التي بث لنا من خلالها هواجسه الخانقة، و يقرع أجراس ضمير الإنسانية عسى أن تستجيب القلوب و تنير العقول. حين تصفح بطل القصة خبر نهاية العالم بسقوط نيزك عملاق على كوكب الأرض، كان الخبر كالصدمة الصاعقة على نفسيته المُدمرة من الداخل، و كأن ذلك النيزك سيسقط على جسده لوحده و يدمره هو فقط، صوّر الكاتب بطل القصة كأنه ريشة وسط مهب الرياح الإعلامية العاصفة، لهذا نرى مدى تأثير ذلك الخبر على بطل القصة، و قد تمكن القاص من ابراز ذلك بأسلوبه الأدبي الشيق و تعبيره المنمق حيث وصل إلى أعماقه و تمكن من ابرازه للقارئ في حلّة أدبية راقية، زد على ذلك تمكن القاص من إظهار كيف أن البطل محاصر من الداخل و الخارج، و ذلك من خلال تلميحه إلى مشاكل واقعه الاجتماعي التي تزيد في اشتعال النار و الطين بلة، و قد وصف لنا الحصار الذي وقع فيه البطل من الخارج و الداخل من الظاهر و الباطن و ذلك حين أشار إلى الجار الذي يثير المشاكل و لا يريد الحوار لحلها و معالجتها. وقد تطور الحصار والصراع إلى أن اضطربت عملية التنفس لديه، فاشتكى من صعوبة التنفس، وفي هذا مؤشر قوي إلى الصدمة النفسية العنيفة التي عادت بالسلب على جهاز من أجهزة جسم الإنسان، التي بدونها لا يمكنه الحياة، ووصل الأمر إلى اضطراب فزيولوجية أعضاء الجسم بعد تسمم الروح والعقل بالأخبار القاتلة، وظهور أعراضه على مساحة الجسد وتمددها فيه إلى أن شملها كله. كما تطور الصراع من جهة أخرى، إلى أن وصل تفكير البطل في التحول لنوع آخر من المخلوقات، فصار الأمر يرعبه أكثر، حيث أنه يمكن أن يتحوّل إلى حشرة عملاقة بعد أن يستيقظ في الصباح و هو على فراشه، و في هذا تناص مع موضوع رواية الروائي العالمي ( فرانز كافكا) في روايته – المسخ – كما يدل هذا على سعة اطلاع القاص على الروايات العالمية المشهورة و تأثره بهذا الروائي العملاق . و يتواصل الصراع من خلال تواصل السرد القصصي الدرامي، لكن بطل القصة لا يستسلم لواقعه المُر كالعلقم، حيث واصل في البحث عن حلول للمشاكل العويصة و الصراع المتأجج في جوفه، وذلك برجوعه إلى الكتب أو المكتبة التي في بيته، و التفتيش في طياتها عن الحلول، و في هذا إشارة إلى وجوب استعمال العقل لحل المشاكل التي تعصف بالإنسان من الداخل و الخارج. لكن القاص يشير إلى أن في طيات الكتب عقارب، و العقارب سامة و تلدغ، و هنا تلميح إلى أن تلك المشاكل الداخلية و الخارجية لا حلول لها في الكتب بسبب تلك العقارب السامة، والعقارب هنا يمكن تفسير رمزيتها بأفكار قديمة لا تصلح لحل مشكل هذا الزمان أو ربما فكر ديني قديم متعصب يريد فرض رؤيته على هذا الحاضر، أو ربما حتى المستقبل لهذا هو مُضر كسم العقارب، مع ذلك بطل القصة يبدو من خلال السرد أنه صاحب شخصية قوية أو يحاول أن يكون كذلك للتغلب على صراعاته العميقة التي تمزقه من الداخل، و قد جعلها القاص كخاتمة لقصته التي تميّزت بتصعيد الصراع إلى درجة التوتر، بالمزيد من التعقيد من خلال السرد القصصي. القصة في مجملها موفقة إلى أبعد حدودها الأدبية الإبداعية، امتازت بالسرد السهل الممتع الذي لا غموض فيه مع تعميق الفكرة العامة للقصة، كلما زاد القاص في التوغل في سرد الأحداث و مدى تأثيرها العميق على نفسية و فكر البطل، كما تمكن القاص من تعقيد عقدة القصة، بحيث تمكن من جذب انتباه القارئ إليه و التفاعل مع أحداث القصة دون تركها إلى الفراغ من القراءة، و طرح الأسئلة على نفسه عسى أن يجد لها الأجوبة التي أخفاها كاتب القصة، كما اثارت عواطف عميقة في جوفه و شدت أوتاره و العزف عليها باستعمال السرد البعيد عن المباشرة المملة، و استعمال الكثير من التراكيب اللغوية الراقية و توظيف صور بيانية في غاية الجمال و العذوبة و هذا راجع إلى تمكن القاص من أدواته الإبداعية و حسن استعمالها في وقتها و مكانها المناسبين بكثير من الدراية و الحنكة الأدبية. و قد أفلح الكاتب في اعطاء هذا الموضوع حقه بما فيه الكفاية، و رأيي المتواضع يجب اعادة طرح هذه الفكرة التي تشغل الفكر المعاصر إلى الأعماق بما أننا في عصر الأنترنت، و سهولة التواصل بحيث يمكننا النقر على الزر نقرة واحدة فقط ربما تندلع حرب في لمح البصر، و هذا الطرح لا يكون إلا بكتابة قصص أخرى تعالج هذه الفكرة، أو إبداع روايات مطولة تقص هذا الموضوع الشائك بكثير من العمق و المزيد من الغوص .

السابق
نيبيرو
التالي
ترياق