قراءات

قراءة في نص “هَوْل”

النص للكاتب أسامة سلامة

نص القصة على مجلة لملمة من هنا

القراءة

//// القراءة /////

بدءا بالعنوان ” هَوْل” معجميّا يمكن أن نذكر ما يلي:
الهَول: مصدر هالَ، (اسم)الجمع : أَهْوَالٌ، و هُئُول، الْهَوْلُ : الفزع، الْهَوْلُ : المخيفُ المفزِع، و الْهَوْلُ : الأَمرُ الشديد.
(معجم المعاني الجامع)

جاء العنوان مفردة، نكرة محضا تماهيا مع التّيّار الدّاعي إلى هذه النّوعيّة من العناوين لِما فيها من طاقة دلالية متّسعة، فالحقول الدّلاليّة، انطلاقا من هذه الخّاصيّة التّركيبيّة، يمكن أن تتّسع أكثر، و هو مطمح الق.ق.ج التي من ركائزها قوّة الإيحاء و التّأويل.
العنوان يشير إلى معاني الفزع و الخوف… و إلى كلّ ما من شأنه أن يضع النّفس في بؤرة توتّر انفعالي و قلق… غير أنّه يسكت عن السّبب، فلا نظفر في العنوان بتوجيه معيّن. إذن لا بدّ من الولوج إلى فضاء القصّ علّنا نُشفي الغليل.

بالنّظر في الخبر باعتباره قصّا، نلاحظ:
– توفّر على ثلاثة أفعال: طوّق/ صمّ/ جحظت. و هي أفعال تراوحت في دلالتها بين الحركة و السّكون، بين الأعمال و الأحوال.
– احتوى على ثلاث جمل لا غير، كآليّة من آليّات الاختصار: جميعها فعليّة راعت التّرتيب العادي للوظائف باستثناء الأخيرة، بدأت بالمتمّم( في مراسم التّشييع)، ثمّ الفعل و الفاعل.
– بدأت الحركة القصصيّة بتوتّر مادّيّ(طوّق) و انتهت بتأزّم أشدّ في حال السّخصيّة و نفسيّته( جحظت).
و أمّا الشخصيّة فلا نكاد نعثر لها على تعريف و تحديد. فالخطاب توسّل بضّمير المفرد الغائب “هو”، و لعلّ هذه التّقنية هي الغالبة في الق.ق.ج. فمن هي هذه الشّخصيّة؟
هي في العموم شخصيّة غير”مسطّحة”، فهي متنامية بتنامي الحركة القصصيّة: بدأت ب”فاعليّة”( طوّقت)، فهي من تؤثّر و تفعل في الآخرين. فردٌ يجابه جماعةً، فتكون له الغلبة المستفادة من ” تطويق الرّقاب”، و في ذلك كل معاني الذّلّ و المهانة للآخرين، فكأنّهم أضحوا”عبيدا” يقادون بالسّلاسل. و أيّة سلاسل هي؟!( اللّسان)
هذا العضو من الإنسان كاشف لصاحبه، فهو على ما يبدو حصيفا، بليغا، ذا حجة قويّة لا يُبارى… و لذلك كانت له الغلبة. إذن الأمر كلّه، على ترجيحنا، يتعلّق ب” معركة” ثقافيّة بالمعنى العام للكلمة( أدب، سياسة، أخلاق، قضاء… إلخ). و كاستتباع منطقيّ لا يخرج عن المألوف نجد الحركة القصصيّة الثّانية: صمّ أذنيه. فالشخصية الغالبة لم تعد تسمع إلّا صوتها، (و لا ترى إلا ما ترى)، في قمّة التّعالي إلى حدّ التكبّر( ربّما) شأنها شأن فرعون (العظيم).
ثمّ جاءت الخاتمة التي ارتكزت على:
* الظرفية الزّمانيّة( في مراسم التّشييع)
* المآل( جحظت عيناه)
لبلورة المعنى العام.
أمّا الظرفيّة فتوحي بمعاني الحزن و اللّوعة( وداع/ جنازة… )ظرفيّة حزينة عموما، و هي تتّصل على الأغلب بالآخر ( المهزوم/ المغلوب…)، ثمّ تطلّ علينا المفاجأة المتجلّية في انقلاب حال الغالب لمّا “جحظت عيناه”. و جحوظ العين حمّال لمعانٍ عديدة: الخوف، التوتّر، القلق… و قد يصل الأمر إلى الإيذان بالموت، فكأنّ الشّخصيّة في لحظاتها الأخيرة و في النّزع الأخير.
و السّؤال: ما الذي قلب أوضاعها رأسا على عقب؟ من شخصيّة مؤثرة إلى أخرى متأثّرة، و من معاني الفاعليّة إلى المفعوليّة؟
و هنا تنفتح التّأويلات على مصراعيها. و هذا من قوّة الق.ق.ج.
و ربطا بالعنوان نجدا اتّساقا بينه و بين الخاتمة( جحوظ العينين).
بعض الملاحظات الشكليّة تخص علامات الترقيم. فالنقطتان بعد الجملة الأولى أرى أنّه من الأجدى تعويضهما بثلاث نقاط للدلالة على كلام محذوف، فيكون المجال واسعا للتأويل و التّصوّر. و أمّا النّقطتان في الجملة الأخيرة فيمكن حذفهما و لا داعي لهما لأنّها جملة واحدة.
قصّة قصيرة جدّا مفتوحة على عدة قراءات يمكن إسقاطها على نواحٍ عدّة من الحياة الإنسانيّة.

السابق
صوت
التالي
مستقبل

اترك تعليقاً