قراءات

قراءة في نص “وأقعقع له بالشنان”

النص للكاتب صالح هشام

نص القصة على مجلة لملمة من هنا

القراءة

– الاحتمالات المتحركة في المضمون ( ثلاثية المسار السردي )

1 – المسار السردي الأول ( السارد الناضج = الطفل ” المشاغب ” )
القص القصير فن أدبي منثور يسرد فيه الكاتب أحداثا معينة ، تجري بين شخصين أو عدد من الأشخاص ، يستند فيها القص على الوصف والتصوير ، مع التشويق ، حتى يصل الكاتب بالقارئ إلى نقطة تتأزم فيها الأحداث وتسمى ( العقدة ) ، فيتطلع معها القارئ إلى الحل الذي يأتي في النهاية ، ويشترط في القصة من الناحية الفنية أن تحتوي على ثلاثة عناصر ، أولها تمهيد للأحداث ، والثاني عقدة تتأزم عندها الأحداث ، ثم خاتمة ويكون فيها الحل . القصة القصيرة تصور جانبا واحدا من الحياة ، ويكون التركيز فيها إما على الحدث أو على الشخصية ، ولا يعنى فيها الكاتب بالتفاصيل وقد لا يلتزم بالبداية والنهاية ، وقد تدور أحداث القصة القصيرة على مشهد واحد ، أو حالة نفسية ما ، أو لمحة متخيلة ما …. يقول ” هشام صلاح في مقالة له عنوانها ” القارئ بين النص المفتوح والنص المغلق “
” …. فالكاتب المميز يوحي ولا يصرح، يستفز ذوق وذائقة المتلقي وينتظر منه دائما رجع الصدى ليعكس إبداعه ،وفي بعض الأحيان يكون القارئ قادرا على تصحيح بعض التصورات والمفاهيم التي يعتمدها الكاتب ، فهو جدير بتوقيع شعرية النص، وأخص هنا النص المميز الذي يمتح من الرصيد الثقافي والمعرفي الإنساني ويغترف من ذاكرة الماضي والحاضر ، (في بعض مقالاتي قلت إن النص الإبداعي دافع من دوافع تنمية القدرات المعرفية للقارئ وتنمية مهارته في البحث والتنقيب ، لأن الذي لا يعرف أو لم يبحث في الرمز بالأسطورة ، أو الرمز بالتاريخ أو ماشابه ، لا يمكنه أن يقرأ نصا للسياب أو أدونيس ، والقاريء الذي لا يعرف التناص أو تقاطع النصوص لا يمكنه أبدا أن يقرأ (لإدكار ألان بو ) وهذه فقط أمثلة بسيطة ! ” . تبدأ أحداث القصة القصيرة ” وأقعقع له بالشنان ” ( من وحي شغب الطفولة ) بما يلي ”
( – أنا حمزة ، أنا الأمير ، أنا عاشق السيف والفرس، أنا السالب وردة العرب، وأنا مسلوبها، أليس كذلك يا صبيي٠٠٠ يا عمر٠٠٠ يا عيار؟
وألوح بعصاي في الفضاء، وأنا أمتطي عمودا كان دعامة بيتنا القديم، وأحلق كطائر مذعور في فراغ ممرات بستان الصبار الضيقة، دون أن أعير أشواكه المسننة اهتماما، وأتغنى بنتف من أشعار (مهردكار) ذات تحرش بفارس العرب٠…)
ركز ” جون بياجه ” على المكونات القاعدية لتمثيل الأشياء والخبرات لدى الطفل وقدرته على استدعاء واستحضار مخزونه المعرفي عند الضرورة . فطفل ” هشام صلاح ” استحضر سيرة ” الأمير حمزة البهلوان ” التي كان يستمع إليها المغاربة في مدنهم وأسواقهم وهي تروى على ألسنة الحكواتيين وخاصة قبيل امتلاك عامة الناس جهاز التلفاز ، أما حين دخل هذا الجهاز المنازل فقد أصبحت تستهويهم أفلام ” رعاة البقر ” التي أنتجتها هوليود ، وكانت تقدمها شاشة التلفزة المغربية خلال فترة السبعينات وبداية الثمانينات ، وأفلام أخرى تاريخية عربية مثل ” سيرة عنترة بن شداد العبسي ” وغيره ، كما كانت قاعات السينما في تلك الفترة تقدم أفلاما صينية عرفت متفرجيها بالتنين الصيني الأسطوري الذي يحتل مكانتة في وجدان وثقافة ونفسية الإنسان الصيني . فلاغرابة إذن أن يصير الطفل ” المشاغب ” ممثلا يقدم عرضه فيلبس الدور الذي يحتضنه .

2 – المسار السردي الثاني ( الطفل / سيرة ” الأمير حمزة البهلوان ) / التراث:
علامة التجنيس في كل الأجناس الأدبية ( قصة قصيرة ) ، لا تكتفي بتعويض الأشياء والإحالة عليها بناء على المواضعة ، بل تعمل على تحديد وجودها كذلك ، كما تفرض تحليل الجنس الأدبي ( القصة القصيرة ) بشمولية أكثر لأنها جزء من عملية عامة تشارك فيها مختلف المتغيرات التي بقتضيها كل حدث تواصلي ويتجلى ذلك في القصة القصيرة المعنونة ب ( وأقعقع له بالشنان / من وحي شغب الطفولة ) ، يمكن أن نمييز فيها بين وحدات متفاصلة تقوم بينها تقابلات دالة ( شغب الطفل / شغب الكتابة عند الرجل الناضج ) ، وبين ” القصة القصيرة ” عند صلاح هشام و ” وسيرة ” الأمير حمزة البهلوان ” السيرة الشعبية التي تعد من أشهر السير تماسكا وإحكاما تروي فصول دراما حرب طاحنة بين القومية الفارسية والقومية العربية ، بطلها حمزة العرب ، سيرة كانت تروى شفهيا على ألسن الحكواتين في الكثير من المدن المغربية وأسواقها …. ” أقعقع له بالشنان ” مثل عربي يرمز لممارسة طقسية محددة كما وردت عند الشاعر ” النابغة الذبياني ( كأنك من جمال بني قريش // يقعقع بين رجليه بشن ) ، وقال الحجاج : ” ما يقعكع لي بالشنان ” … الطفولة هي الفترة الزمنية من عمر الإنسان التي تبدأ بولادته وتمتد حتى رشده وهي ” مرحلة الارتكاز الأساسي في بناء الشخصية الإنسانية وأبعادها وأنماطها ” . طفل الكاتب ” هشام صلاح ” يتمتع بقدرة فائقة على التخيل الذي صارت انفعالاته فيه راغبة في التأر كرد للاعتبار للذات …
(…. لذلك كنت ترى جسدي النحيل- دوما – مطرزا بندوب تأبى أن تندمل، فعصا ذلك المعلم الأرعن تخضب بناني، وبلا انقطاع٠ ربما لأنه لم يكن يعرف عن حمزة شيئا، كالرحى يطحن ما أمر بتمريره إلى عقولنا الصغيرة، وكالببغاء يردد على مسامعنا إملاءاتهم الرعناء٠
في كل حصة، يرشحني- دون خجل – للرسوب، فيسخر مني أغبياؤه لأنهم من فصيلته، فهو الغبي بوزرة بيضاء مكوية، وهم بأقدام حافية متشققة، أسطوانته صدئة، لا يتوانى في ترديدها على مسمعي في كل لحظة وحين….) .
انفتاح القصة القصيرة على الذات هو دخول في إعادة الاعتبار للمنسي والمهش ، بوصفه تجربة قابلة للتأمل وفعلا راغبا في إعادة تشكيل وتشييد الكينونة واستجلاء أبعاد الذكريات العالقة في تجاويف الماضي … يقول ” هشام صلاح ” :
” ….فالكاتب المميز يوحي ولا يصرح، يستفز ذوق وذائقة المتلقي وينتظر منه دائما رجع الصدى ليعكس إبداعه ،وفي بعض الأحيان يكون القارئ قادرا على تصحيح بعض التصورات والمفاهيم التي يعتمدها الكاتب ، فهو جدير بتوقيع شعرية النص، وأخص هنا النص المميز الذي يمتح من الرصيد الثقافي والمعرفي الإنساني ويغترف من ذاكرة الماضي والحاضر ،(في بعض مقالاتي قلت إن النص الإبداعي دافع من دوافع تنمية القدرات المعرفية للقارئ وتنمية مهارته في البحث والتنقيب ، لأن الذي لا يعرف أو لم يبحث في الرمز بالأسطورة، أو الرمز بالتاريخ أو ماشابه ، لا يمكنه أن يقرأ نصا للسياب أو أدونيس ، والقاريء الذي لا يعرف التناص أو تقاطع النصوص لا يمكنه أبدا أن يقرأ (لإدكار ألان بو )وهذه فقط أمثلة بسيطة ! …” .

3 – المسار السردي الثالث : السارد / الثراث
دخول السارد إلى الذات الثقافية مختبرا المخزون الثقافية باعتبارها ٱلية ناظمة تساهم في استدعاء مختلف القيم الرمزية والتخيلية والتحليق والذي يساهم بدوره في الكتابة على مستوى الصور والرموز والإيحاءات البانية للذاكرة الجمعية الشعبية في البادية التي تدور فيها أحداث القصة القصيرة .

( …. فتنت بالفرس والفارس حد الجنون، ومن فروسيته أستلهم فروسيتي: سيفه عصاي، وفرسه عمودي، كيف لا ؟ وقد خبرت روائع سيرته الشعبية، أتقمص شخصيته، وهو يراقص مقبض سيفه البتار في قبضته الفولاذية، و يشرح جثث الأبطال شرائح لحم مقدد٠ وبين سطور أشعاره، أتلصص عليه، وهو يتغزل بمفاتن معشوقته الحسناء( مهردكار)التي اختارها ملكة قلبه دون بنت أسطون، وأنا أقتدي في ذلك بالظريف عمر العيار٠
لذلك كنت تراني-كل خميس أسود- أقرفص على قدمين متورمتين، فعشرات الجلدات لا تشفي غليل ذلك الأرعن المنحوس٠ أ أحفظ سيرة حمزة، وأتقن التلصص عليه في أشعار معشوقته، وأعجز عن حفظ عملية ضرب، أو قصيدة من اختيار تافه بذوق ذلك التافه؟ فماذا تساوي تفاهاته أمام تحليقي عقابا أو صقرا أو نسرا فوق جثث أبطال أشداء فتك بهم سيف حمزة العرب في ساحة الوغى؟ فهذا المنحوس المتعوس وكل مدرسته لا يساويان نتفة من أشعار بنت الأكابر (مهردكار)، أو طرافة من طرائف خفيف الظل عمر العيار …)

وهكذا يتضح أن العلامات داخل النص/ القصة القصيرة متوحدة في تشكيل العالم الصغير عند الطفل والعالم الشاسع عند الكاتب الذي تحمله ثقافة شعب مغربي وأمة عربية . ونشير إلى أن تقطيع العلامات للواقع ليس قارا وثابتا ، بل هو متغير ومتحول تبعا لتغير الحاجات العلمية والمعارف والقيم في كل ثقافة من الثقافات .
فالدال في ” وأقعقع له بالشنان ” من خلال علاقته بالمدلول ، هما متلازمان يمتلكان وجودا ماديا ملموسا ، ويدرك من خلال مجموعة من المثيرات اللمميزة في النص ، ويحيل على مرجع يخص الكاتب ، وهو السند المادي التي تقوم عليه العلامة في النص القصة القصيرة ل ” صلاح هشام ” . كما أن المرجع ( سيرة الأمير البهلوان وشخصياتها و رعاة البقر و عنترة العبسي ، والتعليم المغربي في فترة تاريخية …. ) يطلق على الأشياء التي تحيل عليها العلامات في التجربة الواقعية والمحتملة والمتخيلة . يمثل التخييل الوسيلة التي تتحدث بها القصة القصيرة عن الواقع ، فإذا كانت العلامة فيها تملك مدلولا ، وتحيل على مرجع ، فإنها لا تملك معنى إلا عبر التخيل ، الذي يكسبها دلالتها التي أدمجت في سياق الحكي ، الذي له وظيفة التخييل الذي قد يكون واقعا راهنا أم تاريخيا أم مجتمعيا أم خياليا …فيصبح التعدد الدلالي رسالة فنية ، وذلك ما استمتعنا به به ونحن نقرأ ل ” هشام صلاح ” ، قراءة دفعتنا للعودة للبحث في مراجع وكتب طالها الإهمال في زمن عزف الناس فيه عن القراءة .

إعتذار: أعتذر للقراء وللأديب ” صلاح هشام ” على تقديمنا دراسة مستقطعة ذرائعية بمدخل واحد للقصة القصيرة، فلو درسناها بجميع المداخل لغطت صفحات ولاستخرجنا في كل مدخل لؤلؤا من بحر ” وأقعقع له بالشنان “. تحياتي واحترامي

السابق
فُصُول
التالي
بياض

اترك تعليقاً