قراءات

قراءة نقدية في نص “خلايا جذعيَّة”

النص للكاتبة ايمان السيد

نص القصة على مجلة لملمة من هنا

القراءة

الفكرة:
تتحدث قصتنا القصيرة جدًا عن:
قضية أمة… شتات شعب… صراع حضاري، تاريخي، ديني… طرفاها سالب، ومسلوب حقه. عن تلك الأرض المباركة الطيبة عروس عروبتنا التي تفيض عسلًا ولبنًا، مهد الحضارات، ومنبت الأنبياء. تلك الولادة، المثابرة، المجاهدة رغم الألم والوهن العربي. الجرح الغائر في كل خاصرة عربية حرة، فلسطين الحبيبة.

العنوان:
عنوان في قمة الإبداع، مخاتل، ماكر. جاء كعتبة ناصعة لنص براق، فدعونا نتعرف عليه عن قرب ونميط اللثام عما يحوي داخله من در.!. فما هي الخلايا الجذعية؟، وما علاقتها كعتبة لهذا العمل الأدبي؟.

تعريف الخلايا الجذعية:
أو كما يطلق عليها ( الجذرية أو الأولية أو الأساسية أو خلايا المنشأ.)؛ هي خلايا لها القدرة على الانقسام والتكاثر وتجديد نفسها. وهي قادرة على تكوين خلية بالغة. وأهميتها تأتي من قدرتها على تكوين أي نوع من أنواع الخلايا المتخصصة كخلايا العضلات وخلايا الكبد والخلايا العصبية والخلايا الجلدية.
فنجد هنا العنوان متوغلًا بالنص فالمنشأ والمنبت هو الأرض… فلسطين؛ هي الأم التي كلما وأدوا أبناءها انتفض رحمها وكلما اقتلعوا جذورها ورفت ثمارها وكلما اعتصروا زيتها فاح أريج أهلها وكأنها هبة الإله الذي سن قوانينه في خلقه وشرع لهم ووضع الجزاء، والحساب، والعقاب. وصولًا إلى حد الرجم وهو الاستهلال الماهر، والخاطف كالوميض لقصتنا القصيرة جدًا، وهنا أول أسرار القصة القصيرة جدًا، فالرجم حد من حدود الله بالديانتين (اليهودية والإسلامية).
وحدّ الرجم هو أحد أنواع العقوبات التي يتم تطبيقها على الرجل والمرأة المتزوجين في حال وقوع الزنا.
يطبق هذا الحكم حاليًا ببعض الدول الإسلامية في إيران، السودان، باكستان، بعض ولايات نيجيريا و في المناطق التي تسيطر عليها الجماعات الإسلامية في الصومال. كما ورد في التوراة ما يبين حد الرجم في حق من فارق الدين أو من اقترف جريمة الزنا وهو محصن. وذلك في سفر التثنية – الإصحاح 17:
(2. إذا ارتكب بينكم، رجل أو امرأة، مقيم في إحدى مدنكم التي يورثكم إياها الرب إلهكم، الشر في عيني الرب متعديًا عهده، 3. فغوى وعبد آلهة أخرى وسجد لها أو للشمس أو للقمر أو لأي من كواكب السماء مما حظرته عليكم، 4. وشاع خبره، فسمعتم به، وتحققتم بعد فحص دقيق أن ذلك الرجس اقترف في إسرائيل، 5. فأخرجوا ذلك الرجل أو تلك المرأة، الذي ارتكب ذلك الإثم إلى خارج المدينة، وارجموه بالحجارة حتى يموت.)
والمفارقة هنا أن الرجم لم يأت حدًّا من حدود الله، ولكنه أتى قهرًا وظلمًا واغتصابًا لتلك الطاهرة!، فالراجم هو المغتصب!!!، والمرجومة هي البتول الطاهرة، والمغتصبة!!!.
على مدى سبعين عاماً؛ ثاني المفاتيح والإشارات ودلائل تفكيك الرموز فهي مدة الصراع وحقبة السطو وبداية الشتات، ثم تأتي إشارة أخرى وهي تلك القنبلة البيولوجية وهي جل ما يهدد الكيان الصهيوني وأمنه، ذلك التكاثر للشعب العربي المسلم، {حتى صاروا شعوبًا وقبائل}، إشارة إلى الهجرة والشتات والتوزع بين بلدان العالم فالفلسطيني دائمًا مهجن تراه كملح الطعام بنكهة مصرية، سورية، لبنانية، عراقية، جزائرية، تونسية، أمريكية و أوروبية.
ثم تنقلنا القاصة بحنكة ودراية لننقب عن تلك العرافة، المتنبئة، المتكهنة، ذات الجدائل الغجرية وما تنقله لنا من صورة قبيحة، مذمومة فنتساءل من هي؟!
– الصهيونية العالمية…
– أمريكا…
– أم هي ربيبتها إسرائيل.
لتأتي بالقول الفصل وخاتمة لقصتنا القصيرة جدًا ولا أروع من ذلك: فالحبل السري “Umbilical cord” هو ما يربط الجنين في الرحم بأمه ويقوم بحمل الأكسجين والعناصر الغذائية من الأم إلى دم الطفل وإرجاع الدم المأخوذ منه الأكسجين بالإضافة إلى الفضلات مثل ثاني أكسيد الكربون من الجنين إلى المشيمة التي تقوم بدورها بتمرير أجسام مضادة عبر الحبل السري من الأم إلى الجنين، حيث يساعد هذا على إعطاء الطفل المناعة من الالتهابات والعدوى لمدة 3 أشهر إلى ما بعد الولادة.

متن النص:
وبالانتقال إلى متن النص سنجد أن الكاتبة توافرت لديها كل ( أركان) القصة القصيرة جدًا ( وتقنياتها) من حيث:
﴿ 1 ﴾ المعيار الكمي. ﴿ 2 ﴾ المعيار الفني.
﴿ 3﴾ المعيار التداولي. ﴿ 4 ﴾ الخصائص الدلالية.

– المعيار الكمي
التزمت الكاتبة بقصر الحجم الناتج عن التكثيف وضغط الكلمات والتركيز والتدقيق في اختيار الجمل وانتقاء المرادفات الملائمة والبعد عن الحشو والإطالة.
لتستخدم مجموعة من الأفعال الحركية والأسماء والمرادفات المتناغمة، المتداخلة بثيمة النص فلا نجد بينها شذوذًا ولا تنافرًا. مثل: ﴿﴿رجمُوها – تُنجبُ – سألوا – قهقهتْ- تُكمل – نسيتم – تقطعوا ﴾﴾، ومثل: ﴿﴿ خلايا جذعية – الموت – مولوداً – شعوباً – قبائل – العَرَّافةَ – جدْلَ – ضفائرِها الغجريَّة –
حبْلَها السُّرِّيَّ!﴾﴾.

– المعيار الفني
وهو الخاصية القصصية متمثلة في أبطال القصة القصيرة جدًا وشخوصها وأحداثها. ﴿﴿ فلسطين- المغتصبون- الأبناء- العرافة﴾﴾، أما الحدث: فهو ذلك الصراع ومحاولات الوأد للقضية

– المعيار التداولي والخصائص الدلالية
الموقف الدرامي تم تصويره من خلال رسائل متخفية واستعارات وكناية فلم تأت سطحية مباشرة، بل تستثير بالقارئ الاستنتاج والتأويل.
رجمُوها حتَّى الموت، ورَغمَ ذلك، كانت تُنجبُ كلَّ تسعةِ أشهر مولودًا… بالجملة “مقابلة” بين الموت والحياة والجريمة والعقاب.
حتَّى صار أبناؤها شعوباً و قبائل، ” إشارة ورمز ” عن التكاثر والتمسك بأسباب الحياة رغم الألم.
العَرَّافةَ؛ “كناية” عن الظالم، المغتصب وما يمثله من صورة قبيحة.
قهقهتْ؛ “رمز وإشارة” بما تحمله من السخرية والتهكم
وهي تُكمل جدْلَ ضفائرِها الغجريَّة؛ “كناية” عن الفوضى
وهذا وإن دل على شيء فإنما يدل على تمكن الكاتبة من أدواتها ومعرفتها الدقيقة بمقاييس وفن كتابة القصة القصيرة جدًا.

القفلة:
لقد نسيتم أنْ تقطعوا حبْلَها السُّرِّيَّ!
هنا تكمن المفارقة والدهشة والخاتمة الصادمة فطبيعة الأمر هو قطع ذلك الحبل بعد الولادة! والحبل السري هنا يشير إلى تلك الصلة بين الأرض وأبنائها، مصدر الحياة فهل يوجد أقوى من تلك العلاقة؟، ﴿﴿ وتصنف بالقفلة السردية، المضمرة ﴾﴾، وهي التي تترك للقارئ متسعًا من التأويل والاستنتاج والتخيل وتعتمد على صور البلاغة الأدبية. مثل ( الكناية – الاستعارة- المجاز – وغيرها ).
وتعد القفلة من أهم عناصر كتابة القصة القصيرة جدًا فهي النقلة المباغتة من أغوار النص المتحفز إلى خارجه الصادم المستفز.
لا تبرز من مضمون القصة الذي يفرض خاتمة بعينها ومن هنا فالقفلة الصادمة هي التي لا تنهي القصة القصيرة جدًا بل تفتح النص أمام المتلقي فتثير دهشته وتجعله يشعر بالذهول والإعجاب والتحليل بالإبحار في عمق النص رجوعًا لعنوانه،
لنجد أن:
ذلك الحبل السري الممدود بين الأم وأولادها وهو الكفيل بأن يغذيهم بكل أسباب الحياة… رغم الشتات ورغم مؤامرات المتآمرين وتفريط المقصرين إلا أنه يظل موصولًا بخلية جذعية رئيسية وهي الأرض. قصة قصيرة جدًا برسم الامتياز.

السابق
قراءة في نص “على حافَّةِ الجمر”
التالي
إيلام

اترك تعليقاً