قراءات

قراءة نقدية في نص “دقيقة حب”

للكاتب بسام الأشرم

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

نص يجسد(قصة المشهد) في أروع تجلياتها
أبدع الكاتب في تصوير التقاء عالمين في لحظة عابرة فكل منهما عابر في حياة الآخر!!
في قصته (دقيقة حب) يقدم القاص بسام الأشرم لوحة نابضة بالحياة ،لوحة مكتوبة بعناية كقصة قصيرة على قالب نوع من القصة تعرف بقصة المشهد أو الاسكيتش ازدهرت في منتصف القرن الماضى في بريطانيا و الولايات المتحدة الأمريكية ومن ثم عرفت طريقها للعالم العربي فيما بعد،وتقوم قصة المشهد على تقديم القصة في شكل مشهد مقتطع بعناية يجسد لحظة بالغة التعقيد في حياة انسان أو جانبا من حياة شخص أو مجموعة زلايكون في القصة بداية وذروة وعقدة وحل كما هو الحال في القصة التقليدية، بل تعتمد قصة المشهد على الايحاء بالمغزى عبر المشهد أو المشاهد المقدمة مجتمعة. قصة المشهد او الاسكيتش وهي نوع من القصة يعتمد علي الايحاء بالمعني عبر اقتطاع لحظة او مشهد من الحياة عامة او حياة شخص او جماد او حيوان وتتميز قصة المشهد بالتحرر من القالب التقليدي للقصة أي الذروة والعقدة ولحظة التنوير ويحل المشهد مكان ذلك القالب،والفكرة ان المغزي يكمن في المشهد كله.وهذا النوع من القصة انتشر في امريكا وانجلترا في نهاية الخمسينات ومن أبرز كتابه كاثرين مانسيفلد* وعندنا في السودان من كتابه الطيب زروق وعبدالله علي ابراهيم واحمد الامين البشير والزبير على.
في قصة (دقيقة حب) ثلاث مشاهد مختارة بعناية ، المشهد الأول يقدم فيه القاص بطل القصة وهو صبى فقير يعمل بائعا متجولا برغم انه طالب مجد:
(و راح يقفز مسرعاً مُتنقلاً من سائق الى سائق مُحاولاً استغلال كل ثانية من زمن تَوَقُّف الشارة المرورية في ساعة شمسٍ عمودية ليومٍ تموزيّ مُلتهب و طبقة من غبار المكان و عوادِم السيارات قد كَسَت شعره الذهبي الناعم و عرقٌ غزيرٌ يصُبُّ من جبهته في عينيه صَبّاً ..
فتراه يحاول تجفيفهما بِكُمِّ قميصه البالي ، و قدميه الحافيتين تشتكي
حَر الأسفلت المتوهج و أصابعه الصغيرة تقبض على علبة بسكوت
من النوع الرديء علَّه يجد سائقاً يُلبي نداءه قبل أن تفتح الشارة المرورية ..
(( بسكوت .. ؟ تشتري بسكوت .. ؟ بسكوت بسكو … )
هذا الوصف الدقيق للصبي هو في الحقيقة وصف للعالم الذى ينتمى اليه( عالم الفقر المدقع والحاجة التى تسحق من يرزح تحت نيرها سحقا لاهوادة فيه ولارحمة)، يبدع الكاتب في الوصف وتصوير شقاء الصبي، فاليوم يوم من أيام الصيف الملتهبة،ومع ذلك يركض الصبي حافيا على الأسفلت محاولاً مسابقة اشارة المرور لبيع شيء من بضاعته لأصحاب السيارات العابرة قبل تغير الاشارة وتحرك السيارات.والصبي وحيد يكابد أقداره وهو حافى الأقدام وعارى الرأس مما يقيه أشعة الشمس. وسباقه مع الإشارة هو رمز لسباق الإنسان في الحياة مع الأقدار.
المشهد الثانى:
من ثم ينقلنا القاص بذكاء مستخدما عين الصبي ككاميرا الى العالم (الآخر) الذى تمثله الصبية (جميلة))
(و فجأة توقف عن القفز و النداء ، و نسيت قدماه توهج الأسفلت و راح
يتأملها من خلف زجاج نافذة المقعد الخلفي لإحدى السيارات الفارهة
المتوقفة بإنتظار تَغَيُّر لون الشارة المرورية ، و راح يُحَدِّث نفسه مُحاولاً
بلع ريقه الذي جَفَّ إلى حَدِّ التَقَطُّع ..
( إنها في مثل عمري .. فأنا في الصف الخامس الإبتدائي و ربما هي
مثلي .. و لكنها ترتدي ثياباً جميلةً و أنا لا .. و هي جالسة على أريكةٍ
مُريحةٍ و جهاز تكييف يضُخُ عليها البردُ ضَخّاًو أنا أقفز على أسفلت متوهج
و من حولي نار الشمس تشويني شوياً و هي تشرب المثلج و ربما
ما هي بِعطشى و حلقي يكاد يتقطع ظمأً ، يا إلهي ..أنا الأول على
فصلي و لا أظنها مثلي ، و لكن .. و لكنها جميلة .. ربما أجمل مني ..)
و دون شعورٍ منه راح يقترب من زجاج نافذتها حتى تَوَقَّفَ بمحاذاتها
ناظراً إليها مُتأملاً لِتنتبه إليه .. تتوقف عن الشرب من زجاجتها المثلجة ..
تتأمله ..تُحَدِّث نفسها: ..
( مامي .. ! ما أجمل هذا الولد .. ! و لكن لماذا يقف تحت الشمس
المُحرقة ؟ و ما هذا القميص المُمَزَّق و ماذا يفعل بعلبة البسكوت
التي يُمسك بها ؟)
هنا يستخدم الكاتب تقنية المقابلة أو المقارنة بينن ( العالمين) عالمها وعالمه، فهى تجلس داخل سيارة مكيفة تقيها شر الحر وأشعة الشمس وليست مثله هائمة في العراء، وأقدامها لاتلامس الأسفلت حافية مثله،وهى ترتدى ثيابا جميلة وهو يلبس ملابس بالية رثة،وهو ظامئ وهى تشرب المثلجات، وثمة جدار بينهما، صحيح انه شفاف يسمح لكل منهما برؤية الآخر، لكنه جدار حقيقي بين عالمين، يصوره الكاتب عبر الإشارة الى زجاج السيارة وفتحها له ثم اغلاقها له تحت تأثير الأب الارستقراطي الذى شكا افساد الزجاج المفتوح لمتعة التكييف،ويستخدم الكاتب التساؤلات التى تلمع في ذهن الصبي والصبية كوسيلة لإبراز الهوة بين العالمين والفوارق بينهما . فحين تتساءل الصبية:(مامي .. ! ما أجمل هذا الولد .. ! و لكن لماذا يقف تحت الشمس المُحرقة ؟ و ما هذا القميص المُمَزَّق و ماذا يفعل بعلبة البسكوت التي يُمسك بها ؟)
تبدو كمن شاهد انسانا قادما لتوه من القمر، فهى لاتعرف العالم خارج زجاج سيارتها، ولاتعرف كيف يعيش مثل الصبى (جميل) اليتيم الذى لايتمتع مثلها بدفء العائلة، فوجودها في سيارة مع عائلتها ووجوده في العراء بلا عائل، هى مقابلة أخرى بين العالمين ، عالمان التقيا في حر الظهيرة لثوان معدودة عند إشارة مرور، ثم أختفى كل منهما عن نظر الآخر كالحلم بالنسبة للصبي ، وكالكابوس بالنسبة للصبية. هكذا كان اللقاء لقاء
( جميل وجميلة)،وكانت المسافة واسعة بين عالمها وعالمه،عالمها البلورى المحمى بالتكييف والزجاج،وعالمه تحت الشمس بلا حماية،
عالمها عالم الرفاهية والكماليات والترف والنظر للناس عبر الجدار،عالمه عالم الافتقار الى الضروريات والركض تحت الشمس وانتظار فرص ضيقة لكسب الرزق، فرص مهددة بإشارة المرور وعمرها القصير الذي لايسمح بإبرام صفقة تفتقر لمقومات النجاح فركاب السيارات الفارهة لن يشتروا بسكويت الفقراء ولو وقفت سيارتهم النهار بأكمله في الاشارة. هى سيارات عابرة بأناس عابرين لاتأبه لهم كثيرا، لاتعطيهم سوى أسوأ ماعندها( دخان عوادمها) فقط. لذلك فان اللقاء يكون مستحيلا ويكون عبر الحواجز والأسلاك الشائكة والجدر الفاصلة كما صوره الكاتب في المشهد الختامى الذى يحكم فيه على امكانية التواصل بين العالمين بالإعدام:
( و دون شعورٍ منها راحت تُنزِل زجاج نافذتها ليتقابل وجهاهُما ..
يكادان يتلامسان .. تسأله ..
_ شو إسمك ؟
_ جميل
_ مامي .. ! و أنا جميلة ..بأي صف أنت ؟
_ خامس
_ ياي .. ! و أنا خامس مثلك .. مِش عطشان و إنته تحت الشمس ؟
_ عطشان ؟
تَمُد إليه زجاجتها المثلجة ..
_ إشرب ..
_ لا .. شكراً ..
_ إنته ليش ماسِك البسكوت و واقِف هان ؟
_ عشان فِشي عِندنا خبز و طبيخ ..
_ آه .. قصدك يعني بابا ما راح على السوبرماركت اليوم ؟
_ أبوي مات من زمان ..
_ إرفعي الزجاج أضعتي التكييف يلّا ..
صاح بها والدها و عيناه تَرقُبان الشارة المرورية مُتَحَفِّزاً للإنطلاق ..
فَتُسارِع بِرفع الزجاج حتى تغلقه و تضغط جبهتها و أرنبة أنفها و شفتاها
على الزجاج الحائل بينها و بينه لِيدنو رويداً رويداً بِجبهته و أرنبة أنفه
و شفتاه حتى ألصقهما بالزجاج الذي تحوَّل لِفاصِل شفاف بين الجِباه و الشِفاه و يسيل اللعاب على الزجاج من شفتيها و في شفتيه ما مِن لُعاب ..
و تغمُره السيارة فجأةً بِغيمةٍ من عادمها الأسود مُنطلقة كالسهم إلى عالمها ، لِيبقى مكانه تحت الشمس يتأملها و هي تَتَوارى وسط الزحام) .
هذه الدقيقة في الحقيقة ليست دقيقة حب، بل هى دقيقة إثبات ذات، فهو قال لها عبر هذه الدقيقة ان عالمها البلورى عالم زائف لا يمكنه أن يلغى وجود عالمه الحقيقي بكل جراحه وندوبه ومعاناته، وهى قالت له عبر هذه الدقيقة أن ثمة عالم آخر موجود خارج الدائرة الشريرة الى يرزح فيها، عالم شفاف محروس بالإشارات الفاصلة بين العالمين ( عالم الحفاة الراجلين وعالم الأثرياء المتخمين الراكبين على رقاب البشر)، عالم محمى بالفواصل والجدران والزجاج، عالم لايتنازل أصحابه عن رفاهيتهم لثانية واحدة لصالح ضحايا العالم الآخر( والدها لم يطق فتحها للزجاج ثوان معدودة لأن الانفتاح على من هم تحت الشمس أفسد عليه متعة التكييف)!! فإن كانت هى لاتزال بمقدورها رؤية جميل ولو عبر الزجاج فإن والدها لايري فيه سوى ذبابة تطن في أذن فيل ولفحة حر تفسد عليه متعة التكييف.
هكذا يحكم بسام الأشرم رسم لوحته البديعة ويبوح من غير بوح، مكتفيا بعرض المشهد من الخارج ومن داخل أغوار النفس البشرية لبطليه( الطفل والطفلة) اللذان يبدوان أسيرين لواقع ليسا مسؤلين عنه، فهو مسجون في العراء وهى مسجونة في قفص من ذهب منهوب من عالمه الذى يرزح تحت الشمس والفقر والبؤس.عبر المشاهد الثلاثة يدعو الكاتب القارئ للتعرف على مايجري تحت سمعه وبصره كل يوم دون التوقف عند مغزاه، إنها دعوة الى فضح القبح في عالمنا المعاصر عبر دقيقة واحدة هى نصيب (جميل وجميلة) اللذان يرمزا للمسقبل من الجمال في عالم يمشي القبح فيه على قدمين. القصة ذكرتنى بقصة رائعة للقاص السودانى الرائد( الزبير علي) اسمها( البرميل) نشرت في الستينات في مجلة القصة السودانية تنتمى لقالب القصة المشهد تحكى لحظات في حياة أطفال مشردين في قلب العاصمة الخرطوم يتشاجرون حول محتويات برميل قمامة بجوار معرض أنيق في شارع فخم بالخرطوم، المقارنة بين العالمين نفسها موجودة، وهذا التناص يشير بجلاء الى أن هموم المثقفين والكتاب واحدة مهما اختلفت البلدان والأزمان.القصة تعكس اهتماما أصيلا لدى الكاتب بأحوال الناس من حوله وغوصه عميقا في إشكاليات عصره وهمومه وما يميزه هو هذه البساطة العبقريةفي تصوير الواقع في صور صغيرة مكثفة غنية بالدلالات.
يبقي من المهم القول بأهمية الصورة في السرد الحديث الى الحد الذى دفع فيلسوفا معاصرا للقول:** (فالصورة الشعرية، حين تبدو كائنًا جديدًا من كائنات اللغة، فإنها لا تقارَن، وذلك باتباع طريقة الاستعارة الشائعة، مع صمام ينفتح ليطلق غرائز مكتومة. فالصورة الشعرية تضيء بنورها الوعيَ. وإنه لمن العبث أن تبحث لها عن سابق في اللاوعي. ).

السابق
دقيقة حُب
التالي
اللعنة

اترك تعليقاً