قراءات

قراءة نقدية في نص “للأغنياء فقط”

للكاتبة حنكة حواء

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

بين قصة قصيرة و تأثر بتقنيات القصة القصيرة جدا نجد الكاتبة تعرض نصها(للأغنياء فقط)، فعند وقوفنا على تجنيسه، نشعر ببعض الصعوبة و الحيرة: هل هو قصة قصيرة أم قصة قصيرة جدا؟
فتعدد الشخصيات: (خضرة- ماسح الأحذية- حيزية- سعيد- الطفل ذو السنوات العشرة) مع عدد الكلمات الذي ربما فاق العدد المسموح به في القصة القصيرة جدا، و القفلة التي تنتهج نهايات و قفلات القصة القصيرة، كل هذا يجعلنا نميل لوضعه تحت مظلة القصة القصيرة، لكن العقدة الوحيدة في النص و الحبكة قصيرة الأمد و الفضاء الزماني و المكاني المحدودين، بالإضافة إلى طريقة السرد و عرض الجمل بطريقة تميل للتكثيف الشديد، يجعلنا نصنف النص هنا تحت جنس القصة القصيرة جدا، و ما هذا التأرجح إلا لأننا عهدنا الأستاذة زينب كاتبة قصة قصيرة جدا، و لكن المتابع لكتاباتها و أعمالها الجميلة يرى أنها أصبحت تنحو قليلا نحو القصة القصيرة.
أيَّا يكن الأمر فنحن دائما علينا الاهتمام بجماليات النص و رسالته، أكثر من اهتمامنا بتجنيس هذا النص أدبيا.
للأغنياء فقط: عنوان مستفز، لماذا للأغنياء؟ و ما هو ذلك الشيء الذي يختص به الأغنياء دون الفقراء؟ عتبة العنوان، تبعث في النفس شعورا خفيا بالأسى و الألم، و ربما يسرح خيالنا ليبني العديد من القصص تحته، خاصة نحن –الفقراءَ- الذين يداهمهم العنوان كما الواقع دائما، و الذي يمنح للأغنياء الكثير من الأشياء الجميلة، التي يحلم الفقراء في الحصول عليها، لكنما هيهات…
خضرة، اسم رغم اشتقاقه من الخضرة، إلا أنه من الواضح أنه ينبع من بيئة اليباس و البؤس، فقلما و ندرما نجد غنيا يسمي ابنته أو ابنه بهذه الأسماء التي قد تبعث السخرية أحيانا…خضرة هذه الطفلة التي استطاعت أن ترسم الكاتبة أطياف شقائها، بشكل جميل و ملفت، فلم تعتمد الأسلوب التقليدي لوصف الفقراء من خلال مظهرهم الخارجي (الثياب الرثة، و الشعر الأشعث، و الأيدي الجافة، و الوجوه التي يعلوها المخاط و الدموع)، بل قدمت بؤس تلك الفتاة من خلال مواقف و أحداث و أحلام تمر بها، و هذا الأسلوب ربما يكون أكثر وقعا في النفس، هذه الفتاة قد يئست من هذه الحياة، المليئة بالألم و الخالية من الأحلام، فالفقر يحرمها حتى أن تحظى بحبِّ شابٍّ غنيّ، فقد أدركت على صغر سنها، الانفصال الحادث بين الواقع و الخيال، لقد أدركت أن قصص سندريلا و ثلجة البيضاء، و غيرها من تلك القصص التي بنيت أحداثها على أشخاص فقراء، و انتهت بهم نهايات سعيدة، حيث تجد الفتاة الفقيرة في النهاية فارس أحلامها الغني الذي ينتشلها بحبه من مآسي الفقر إلى جنان الحياة الرغيدة الهنية، ففي هذا النص لم يحدث ذلك الأمر و لم يستطعِ الخيال كسر حواجز الواقع.
في هذا النص ترسم لنا الكاتبة بلقطة من كوميديا سوداء تلك الضحكة و القهقهة التي تعلو وجه خضرة و هي تتساءل في أعماقها، تسأل بسخري، تساؤل العارف: هل يمكن أن تنال حب شابٍّ غني؟! لكنها تجيب و قد خبرت الواقع، و أدركت زيف و خداع تلك القصص الخيالية التي لم تكن سوى قصصا لمواساة الفقراء ليس إلا..رسمت الكاتبة بحنكة غيرة الطفلة البريئة من الخيال، فها هي بائعة الورد تحصل على حبيبها الذي يأخذ منها وردة تكون مفتاح الحب الجميل بينهما، أما هي فإنَّ كل سنواتها التي قضتها، و هي تبيع المناديل، لم تصادف ذلك الغني الذي يأخذ مناديلها و يعطيها قلبه، و ما زاد الطين بِلَّة، و هو ما بين سطور النص، أنَّ الأغنياء ربما يتناولون منها المناديل بازدراء، و ربما هذا هو ماجعلها تقذف بمناديلها في لحظة يأس.
و حنى ذلك الحلم الصغير بوجود شاب فقير يعشقها لم يتحقق كما حدث بين حيزية و سعيد، و أصبحت قمة أحلامها أن تحصل على حب يشابه على الأقل ذلك الحب بين الفقيرين حيزية و سعيد، بيد أن هذا الأمل البسيط حتى لم تنَلْهُ، لذلك فهي تكتفي بالتغني بهذا الحب، حتى لا تصاب باليأس المطلق، فلربما تأتي الأيام بما تريد، و بما أنَّ على الحياة أن تستمر و هي لا تقف عند همِّ أو حزن أحد، تقوم الفتاة لتتابع عملها، لكن تأتي تلك النهاية الحزينة…تموت الفتاة و هي تحلم بذلك الحب البسيط، و في لحظة وداع الحياة، تفتح الدنيا باب أسرارها لها لتخبرها أن الحكايات الخيالية يمكن أن تتحقق…فهاهو الطفلُ الحلم يأتي إليها خائفاً مرتعبا، و يطيب لخضرة أن تتخيله فَزَعَ المحبِّ على حبيبه، لكنَّ القدر لم يمهلْها الوقت للتأكد من إحساسها، يتعانق جفناها و تنام للأبد و قبل ذلك يطل عليها ماسح الأحذية الذي يمثل صورة أخرى من صور الشقاء، و رغم أنني لم أفهم السر وراء إقحام ماسح الأحذية و خاصة أنه عجوز، و لا أتوقع أنه كان يحمل حبا أو عشقا لها، و أرى النص مكتملا بدونه، لكنني أستقرئُ أنّ الكاتبة ربما تريد أن تلمح لاستمرار شقاء الفقراء و معاناتهم الدائمة، أما القبلة فهي بمثابة الاعتذار له لأنها كانت تبادل ابتساماته و نظراته إليها بالغضب و الحنق، و هي تريد منه أن يسامحها، لأنها أضحت تشعر تماما بمشاعر الفقراء، و لا تريد أن تغادر الدنيا، و في قلب أحدهم غِلٌّ عليها.
إذاً (للأغنياء فقط)، هي مباهج الحياة، هو الحب، هي كلها أشياء للأغنياء فقط، هذه رؤية بطلة النص و قصتها التي عاشتها و ليست رؤية الكاتبة، و هو أمر مهم، حيث نجحت الكاتبة بتصوير نص تعيشه البطلة دون أن يكون لذات الكاتبة، كبير الحضور و الأثر في مجريات الأحداث، و هذا من أهم الأمور التي تجعل من النص القصصي نصا ناجحا و بارعا.
جميلة تلك المفارقة التي طرحتها الكاتبة هنا عن الانفصال بين الجمال الذي نعيشه خيالاً، و قبحِ الواقع الذي نعيشه معاناة و قسوة..تميز النص بلغته المتينة، و شاعريته الحاضرة بقوة، فالانفعالات النفسية المختلفة التي يضجُّ بها النص تبعث روح الحياة فيه، و ترسم المشهد بكل جماليته على الرغم من الألم الذي اكتنفه، و النهاية الموجعة التي انتهى بها..و الجميل في هذا النص هو تداخل أساليب السرد الثلاثة فيه بشكل قوي و دون إخلال بالنص…فقط ( الشَّيخ المُعاق ماسِح الأحذِية ، كلَّما سمِعها ، توقَّف عن العمَل: كنت أفضل أن تكون: الشَّيخ المُعاق ماسِح الأحذِية، عندما سمعها توقف عن العمل، لأن الحدث هنا، لم يكن متكررا، بل حدث لمرة واحدة، و هو ما يدل عليه مسار الأحداث، فكلما تفيد التكرار، و هذا غير موجود في النص حسب ما وصلني).
تقديرنا و تحيتنا للكاتبة و نتمنى لها مزيدا من الإبداع و التألق.

السابق
رياح
التالي
كل الكلام

اترك تعليقاً