قراءات

قراءة نقدية في نص “هبوط اضطراري”

للكاتب عبد السلام القطري

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

العنوان
لم أتوقف كثيراً أمام {العنوان} الذي جاء كاشفاً للنص [هبوط إضطراري] , ولكن ما أوقفنى سؤال شخص أمامى .. ما هو الدافع وراء هذا الهبوط الإضطراري ؟.
أشفقت على “الكاتب” من تناوله لهذا {العنوان} , وعندما إكتشفت “الحقل” الذي تخيره “الكاتب” للتعبير عما يجول في نفسه ، وجدته اختار القصة القصيرة .. عندها عدت إلى رشدى ، وهيأت نفسى للقراءة والتحليل المتأنى , وجال بخاطري أن هذا الحقل” يتسع .. خاصة بمعرفتى بالقاص {عبدالسلام القطري} .
فهو مهندس خرائط ومسح بترول سابق بمعنى أن رحلاته متعددة أكسبته تجارب عديدة ، علاوة على أنه ريفى المولد والنشأة , وما إكتسبه من هذه البيئة الكثير والكثير من الشمائل والعادات والتقاليد الضاربة بالجذور المصرية عبر آلاف السنين …
وحسب هذا الجنس من الأدب وجب علىّ تناوله من حيث القواعد الثابتة لهذا الجنس محاولاً تفنيده للمتلقي , وتفكيكه ما استطعت لذلك سبيلاً , وتوضيح أماكن القصور إن وجدت ، وتسليط الضوء على الأجزاء التنويرية في النص …
ـ الوحدة ـ
بنى “الكاتب” قصته على العنوان [الهبوط الإضراري] كوحدة للقص , ووحدة المكان , ووحدة الزمن , ووحدة الأحداث , ووحدة الأشخاص .. إستطاع الإمساك بها في بوتقة واحدة , ولم يخرج عنها البتة .. فجاءت متكاملة متداخلة , ومتناغمة كأنها لوحة فنية متناسقة الألوان والأبعاد , علاوة على وحدة اللغة السردية .
ـ التكثيف ـ
نجد “الكاتب” إلتزم بقواعد هذا الجنس من الأدب الذي يقول : القصة القصيرة كالرصاصة تصيب الهدف بسرعة , ومن أقصر مسافة .. دون إسهاب .. وتقع القصة القصيرة من صفحة إلى ثلاثين صفحة .
وها نحن نجد “الكاتب” جاء بقصته في صفحتين ، وإستخدم “التكثيف” على أفضل ما يكون , ولا نستطيع نزع كلمة واحدة من مكانها وإلا أختل المعنى ، وختلف القصد .
ـ الدراما ـ
ولأن الدراما هى العمود والقاعدة التى تبنى عليها القصة من حيث {الفكرة \ الشخوص \ الأحداث \ البداية \ العقدة \ الحل \ النهاية {الخاتمة} وما تحمله من نقاط تنويرية} وجب علينا تناولها على مهل …

البداية
[صالةً واسعةً في طابق علوي , لها نوافذ طولية تمتد من الأرض إلى السقف , شرع بفتح إحداها وقد إرتسمت على وجهه آيات الشعور بالثقة والإطمئنان وهو في طريقه لتلك المغادرة الغريبة التي يبدو أنه معتاد عليها , قبل مغادرته إستدار ناحيتي ماداً يده وصافحني وعلى وجهه إبتسامة واسعة , وقف على الحافة وظهره للخارج] .
نجد “الكاتب” يبدأ بتوطيد المسرح للمتلقى ، ويهيأ له المشهد بدقة (ــ صالة واسعة ـ طابق علوي ـ نوافذ تمتد من الأرض للسقف ـ فتح إحداها ــ الشعور بالثقة , وهو في طريقه للمغادرة ـ أنه معتاد عليها ـ إستدار ـ صافحني ـ ظهره للخارج ) .
بهذه الجمل المكثفة السريعة يأخذ “الكاتب” بعقولنا , ولا نستطيع الفكاك من بين أنامله , ونلتصق بسن القلم ، وكلنا شوقاً للإفصاح عن الكائن , وبسرعة نحاول الكشف في المقطع الثانى ..
[ترك نفسه يسقط للخلف سقوطاً حراً , الغريب أني لم افزع أو أنزعج كأن ذلك كان أمراً عادياً , تقدمت نحو النافذة والقيت نظرة للأسفل فرأيته يهبط في هدوء وقد أتخذ وضعية من يجلس على كرسي ليس له وجود , ذكرني وضعه ليديه فوق ركبتيه , بصورة طيار حربي قذف بكرسيه خارج طائرة محترقة لإنقاذ حياته , بعد برهه قصيرة غير إتجاهه في انسيابية تامة لينزلق داخلاً إلى الطابق السفلي , الآن لم يعد بمقدوري رؤيته من هذا المكان] .
هنا نجد “الكاتب” صرح بمضمون القصة ببساطة {ترك نفسه يسقط للخلف سقوطاً حراً}، وكأنه يريد أن يقول لنا أن {عقدة} النص ليست في الهبوط فى حد ذاته , بل إنه متمكن من الإستحواذ علينا , ويملك قدرة العزف على حبال دهشتنا والسرد المتقن …
وفعلاً وجدناه يصف لنا طريقة الهبوط , ونحن نغوص معه مستمتعين ، ليس هذا وحسب ، بل ذهب إلى الإستدلال بأشياء مساعدة ، فتجعلنا نلتصق به أكثر , ثم يأخذنا إلى منحى آخر , وكأنه يغوص بنا إلى الخيال العلمي ، ونحن نكاد نسير معه , وتزداد طاقات التشويق { بعد برهه قصيرة غير إتجاهه في انسيابية تامة لينزلق داخلاً إلى الطابق السفلي} .
ثم يستمر “الكاتب” في السرد المتنامي {المتصاعد} بالأحداث , ونحن معه للوصول إلى ذروة {العقدة} في النص …
[لست أدري ما الذي قام بدفعه للداخل , ربما كان تيار الهواء الساخن الذي يندفع الى هذا الإتجاه في أيام القيظ هو السبب , وربما كانت هناك قوى خفية تقوم بهذا العمل , ممسكا بإطار النافذة – خشية السقوط – إنحنيت بشدة في محاولة مستميتة لرؤية موضع هبوطه , باءت محاولتي بالفشل , في الأسفل .. ليس ثمة صوت ولا دليل آخر على نجاح عملية الهبوط أو فشلها , أقنعت نفسي أن السكون الذي يعتري المكان هو علامة على هبوطه بسلام .
أحدق بنظري للأسفل تماماً , هناك .. في القاع , أستطيع رؤية سور الفناء الصغير الذي يحيط بالمبني , يبدو المنظر معتماً بعض الشيء , بكل تأكيد لم يهبط صديقي في هذا المكان فقد رأيته وهو ينحرف عنه , ليس ثمة مايدعو أيضاً إلى الإعتقاد أن هذا المكان يصلح لهبوط آمن .].
في هذا المقطع يطلق “الكاتب” لنفسه العنان في السرد المحمل بالرمزية لقضايا كثيرة يمكن الانزياحات إليها (الهبوط , ومدلوله المقترن بالفشل ـ السكون الذي يعتري المكان ـ المنظر معتماً ـ الإنحراف) هذه الجمل لها مدلولات كثيرة , ثم نأتى للمقطع الرابع …
[أفكر في كيفية خروجي من هذا المكان بعد إنتهاء مهمتي الضبابية , أتراني سأهبط مثله في هدوء أم أن حادثاً مأساوياً سيكون في إنتظاري , بمرور الوقت , صار الأمر يقلقني بشدة , لم لا توجد وسيلة أخرى للخروج من هذا الطابق سوى تلك القفزة إلى المجهول! أتعجب وأدور أبحث حولي دون جدوى !
رغم عدم إدراكي لكيفية وصولي إلى هذا المكان , إلا أنه من الجلي أن الوسيلة الوحيدة للوصول اليه هي بالنزول من طابق أعلى منه , المح من بعيد زوجتي وأولادي معي في نفس الطابق , لم أعرهم إهتماماً كبيراً , مع ذلك شعرت بضرورة .. بل إنه من الواجب علي – رغم صعوبة الأمر –وداعهم قبل إقتفاء أثر صديقي , أتراهم سيقتنعون بتلك الطريقة الغريبة للمغادرة ويسمحون لي بإستعمالها , أم سيمنعوني من ذلك فزعاً من نتيجتها الغير مضمونة , أخذت أفكر في الوسيلة التي سمحت لصديقي بذلك الهبوط الآمن , ربما كان بالأسفل – في ذلك المكان الذي لا يمكنني رؤيته – أكياس مليئة بالقطن أو القش يسقط عليها من يبتغي المغادرة فلا يصيبه أذى , ولكن ما الذي سوف يحدث لملابسه , بالتأكيد سوف تلتصق تلك المواد بملابسه فتصبح قذرة تماماً , ولن يكون من السهل تنظيفها , أميل للإعتقاد أن هناك أكياس هوائية منفوخة كتلك التي يلعب عليها الأطفال في الملاهي أو التي تستخدم في حالة الهبوط الإضطراري للطائرات وينزلق عليها الركاب ليهبطوا إلى الأرض بأمان , أعلم أني قد جئت لمعاملةً ماليةً ما في هذا الطابق الغريب , الذي يفرض على جميع من يريد مغادرته أن يقوم بتلك القفزة الرهيبة] .
ها هنا نمسك بداية الخيط للوصول إلى {عقدة} النص , كيف “للكاتب” أن يأخذنا رغماً عنا لكى نفكر معه للمنغصات التى تثقل كاهله , وأراد أن نشاركه الحل , وهذه مقدرة يمتلكها الكاتب دون إسهاب أو إقحام , وهذا يزيد من قدره ومكانة قصه …
(كيفية خروجى ـ مهمتي الضبابية ـ أترانى سأهبط مثله ـ حادثاً مأسوياً ـ لا توجد وسيلة غير القفزة إلى المجهول ـ عدم إدراكي للوصول للمكان ـ الوسيلة الوحيدة هي النزول من طابق أعلى منه) …
نرى هذه الجمل بما تحمل من دلالات تنزاح إلى التمرد على الوضع الكائن , والحسابات التى تدور في عقل “الكاتب” إذاً نرى الكاتب يدخل بنا إلى صلب معاناة اللحظة التى يعيش فيها , وتكثر حوله الأسئلة التي تمثل في هذا الجنس الحركة ، وتضفي على القص الحيوية والتفاعل , ثم يستطرد “الكاتب”في تتابع عرض المشهد حتى يضعنا في كل تفاصيلة , ونجدنا نتعايش معه من لحظة للأخرى (زوجتي وأولادي معي في نفس الطابق ـ لم أعرهم إهتماماً ـ الواجب وداعهم قبل إقتفاء أثر صديقي ـ أتراهم سيقتنعون بتلك الطريقة للمغادرة ؟ ـ أم سيمنعوني من ذلك فزعاً من نتيجتها الغير مضمونة ؟ ) ثم يستمر بعرض الأسئلة على ذاته ليصل إلى النقطة الأساسية والمحورية في النص …
{{ أعلم أني قد جئت لمعاملةً ماليةً ما في هذا الطابق الغريب , الذي يفرض على جميع من يريد مغادرته أن يقوم بتلك القفزة الرهيبة}}
وهنا يتضح انزياحات الجملة على مدلولات عديدة في الإطار الأسري والمجتمعي والأقليمي , أعلها “المغادرة” بتلك القفزة الرهيبة ، وكأن القدر كتب عليه وعلينا ذلك , ويلفتنا “الكاتب” بكل ما يحق بنا داخل أوطاننا بفعل فاعل خارج ، ومعاونة العملاء بيننا …
[, وسط ذلك الجو البائس والغارق في الهموم , وبعد أن شلت الرهبة تفكيري تماماً , وشعرت باليأس من وجود وسيلة مأمونة , إشتد بي الكرب , وأوشك عقلي على الإنفجار! وهنا … أنقذتني مثانتي التي كادت أن تنفجر هي الأخري جراء تجرع كمية هائلة من المشروبات قبل النوم.] .
ثم ينقلنا “الكاتب” الحصيف بنفس النفس السردي بسلاسة إلى بداية الحل ، والخروج بنا من هذا المأذق ( وسط الجو الملبد ـ بعد أن شلت الرهبة واليأس ـ الكرب ـ الإنفجار ) أنقذتنى مثانتى التي كادت أن تنفجر من المشروبات قبل النوم .. لنفاجأ بالخبيئة الذي أدخلنا فيها “الكاتب” طائعين أنه كان في {كابوس} .. فنطق كف على كف , وننتظرمنه خاتمة تسري عن غيظنا , فما رسخه في عقولنا لا نستطيع الفكاك منه بسهولة …
[اليوم … وفيما كانت الخادمة تنظف السلم الداخلي للفيلا , صاحت تحذرني من خطورة نزولي السلالم وهي مازالت رطبة … جاء التحذير متأخراً قليلاً , إنزلقت قدماي وزحفت على وجهي حتى بداية السلم وأنا في وضعية ممارسي رياضة السقوط الحر في الفضاء , للأسف لم يكن هبوطي آمنا كهبوط صديقي .].
وها هى الخاتمة التي جاء بها “الكاتب” ليكشف لنا وجها جديداً من مقدرته على الكتابة الساخرة في قالب كوميدي محبب لدى المتلقي , علاوة على المفارقة المصنوعة بحرفية الكاتب , والتي جاءت من جنس العنوان .
وفي النهاية لا أملك إلا بالإشادة بالمهندس والأديب \ عبدالسلام القطري ، والذي إستطاع أن نحزم أمرنا , ونشحذ ههمنا ،لمعيشة قصة القصيرة المتكاملة الأركان ، والتي صاغها بلغة سلسة ومتوسطة .. متمنياً أن أكون وفقت في قراءتها , فعندها يكون لىّ أجران ، وإن كان دون ذلك فليغفر لىّ ربى .
والله ولى التوفيق ،

السابق
هبوط اضطراري
التالي
كِذبَةٌ حمراءُ

اترك تعليقاً