القصة القصيرة

قصام

كانت تمتطي صهوة الجموح..
دارت خلفي ودرت خلفها.
حين رأيتها بوما في طريق العابر راعني المنظر، وطار رأسي المدهوش يسأل الكون عن جواب. كيف لفتاة شابة بهذا الحسن والجمال تجلس على طوار الشارع شبه عارية.. على وجهها الماكيت ابتسامة بلاستيكية ثابتة محفورة؟ في ذهول الدهشة افتربت منها خطوات لم يتخلَّ عنها الحرص، لم تتغير بسمتها ولا نظراتها الشاعرة بي..تمتصني. في براعة المتمكن الواثق مدت يدها لي.. أجلستني بجوارها كطفل منصاع لحنان أم. لم تترك يدي.. في شرود تيه أسلمتها لفخذها الساخن الطري، وأنا أقرأ تفاصيل الوجه، وأفك شفرات السنين، وهي تتلذذ في امتصاصي. كما الساحر والمسحور.. أمسكت بيدي الأخرى ووضعتها في استسلام على فخذها الآخر، وهي تقربني من فمها في شره غير عادي.. تتلمظ تلمظ حيوان شرس.. أطبقت على كل النار التي شبّت بداخلي، وأخمدتها.. لم ترتو رغم عنفوان جنوني وسحرها، ولكنها أعطتني جانبا من جلستها في لا مبالاه، وأخرجت من صدرها سيجارة رخيصة تلتهمها في شبق، وقطرات العرق تسبح على جليد جلدها بعد هدنة صيف قائظ.. بعد لحظات رمقتني بابتسامة جديدة. فلنعاود الكارة، في حرفة امتصت كل جزء فيّ، ولعقتني بشره.. أدخلتني جام صهدها.. ارتشفتها في جرأة المجنون.. انتصبت قويا كالفارس في وطيس الحرب أغراه الدم فجانبه الرشد فأراق عصيره على كل جوانبها.. ابتسمت ابتسامة أخرى في ارتخاء العينين، وأشارت لي أن أنام بجوارها؛ فنامَت..
في زحام النهار.. رأيت ملاكا في كامل الأناقة والجدّة والعظمة تمر من أمامي كالبرق، أدرت محرك سيارتي أتتبع خطواتها السريعة، دلفت كافي مشهور، وجلست في كل ثقة أمام رجلين، في سرعة وحماس فتحت حقيبة العمل، وأخذت تشرح لهما خطتها.. كانا منصتين لها في تركيز، عندما لمحتني في عجل لمّت أوراقها وفرت من أمامي تخترق الزحام. لم تسعفني قدماي للحاق بها..
بعد مباحثات شديدة مع نفسي ذهبت إليه..
جلست منتظرا دوري، وأنا أقلّب في مجلة فنية لا أقرأ فيها شيء. عندما نادي التمرجي على اسمي رأيتها تخرج من عنده في نفس أناقتها وجديّتها.. لم أترك الفرصة وأجعلها تهرب مني واجهتها؛ فنكست رأسها بالاعتراف.
“الليل مصيبتي وهاجسي.. تتقمصني كل ليل دون ردها والانتصار عليها”
فبكت عيناي وأنا أضمها إلى صدري.

السابق
جوعى
التالي
التعريف

اترك تعليقاً