القصة القصيرة

قـــــراءة مغايرة

كان يجيد القراءة و الكتابة مثل الكثير من البشر .. غير أنه كان لا يحمل مؤهلًا ، و لكنه كان يعلم عن قواعد النحو و الصرف ما لا يعلمه غيره .. و كان حافظًا لألفية بن مالك عن ظهر قلب ، و يقارع سيبَويه فى مواقع همزات القطع و أَلِفِ الوصل إلا أنه كان ــ و تلك علته ــ ركيكًا فى نطق حرف الضاد .

كان كلما أراد التحاور فى مجلس تواصل أيًّا كان (علم .. شعر .. نثر .. قصص .. رواية .. علم نفس .. سياسة) عدا علم الاجتماع .. يصل قبل الجميع بوقت كاف ، ثم يتحفز بكرسيه ليكون فى الصفوف الأولى بالرغم من عدم طمعه فى يوم من الأيام أن يعتلى المنصة ، فذاته تأتى فى ترتيب متأخر دومًا .. عندما يستقر فى مكانه الذى يستحقه و يطمع فيه .. يتذكر (عِلّته) التى لا يعلم بها أحدٌ غيره .. يتراجع لآخر الصفوف و ما بعدها إن سمح المكان بذلك .
يظل فاغرًا فاه عن آخره طوال انعقاد الجلسة ، و (مترطقًا) أذنيه لأطول مدى ممكن عنده .. يستمع لكل مخارج الحروف المنضبط منها و غير المنضبط من كل المتحاورين بشغف بالغ ، حتى أصبح يمكنه سماع دبيب النملة السوداء الحجر الأصم فى الليلة حالكة السواد .. عندما ينفض المجلس يرحل وحيدًا كما أتى وحيدًا ليكون
آخر فرد من المنصرفين .
يعود من بعدها لتكوره الدائم فى موضعه الثابت بالركن الذى حدده لنفسه من يوم أن أدرك معانى الأشياء ، ليجتر مرات عديدة كل ما دار فى الحوارات السابقة (أيًّا كانت) .. يصحح للآخرين حروفهم المعوجة ، و حتى لا يقع فى مثل هذه الأخطاء في المرة القادمة عندما تواتيه الفرصة للمشاركة فى التواصل .

***

حان يوم ذكرى ميلاده الثاني و الستين ، و لم تبقَ على موعد الاحتفال سوى ليالٍ قليلةِ العدد .. و قليلًا ما يفعل .
فى تكوره الدائم و موضعه المحدد أراد أن يفرد ساقه اليمنى قليلا عن موضعها الثابت ..
قبل أن يفعل نظر فيما حوله كعادته .. وجد أنها ستجور على موضع كان حدده من قبل مرْتَعًا لابن ابنته المطلقة منذ شهور قليلة .. تعصب على نفسه التى بين جنبيه .. زاد حنقه من سوء فكره .

و لأن الرجال لا تبكى و لا تتراجع عن أمر قطعته على نفسها و لو كانت مجرد كلمة ، و خاصة و هو يعلم أن الكلمة أمانة هرب من حملها كل المخلوقات و حملها الإنسان لأنه كان ظلومًا جهولًا ، فكان عليه اختيار عقاب آخر غير جلد ذاته .
فكر أن يستل سكينًا حادًا من وراء ظــهر زوجته و أولاده الخمسة و أحفاده الثلاثة و يجز الجزء الذى أراد أن يتمدد فى موقع زيادة عن حقه من ساقه .. تذكر بقلبه النابض أن الرب لن يرضى عن الجرم الذى انتوى صنعه فى الأمانة التى وهبها إياه بدون ولى ..

توقف فجأة عن تنفيذ الفكرة بأكملها و ليغفر له الرب مجرد النية التى سجلت عليه سيئة ، و فى نفس الوقت كتبت له عشر حسنات عندما تراجع و توقف عن فعلها .
عاد و أكد لنفسه لا بد من تأديب هذه الذات النزقة ..
هكذا درج و عاش الاثنتين و الستين سنةً المنصرمة و تربى على كلمة ، و الكلمة أمانة .. تدخل صاحبها جنة خالدة أو نارًا أبديَّة …

فى ظل الصراع الدائر بينه و بين ذاته جاءه خاطر لم يدر مصدره .. طن فى أذنيه .. قض عليه مضجعه ، ثم هتف فى روْعِهِ بصوت بليغ :
ــ ليس على المريض حرج ، و أنتَ تتعاطى خلال اليوم و الليلة اثنتا عشرة كبسولة لضعف عضلة القلب و تصلب الشرايين ، و زيادة فى نسبة الكوليسترول في الدم بجانب مرض السكري اللعين .
لم يركن لهذا الهاتف الرقراق الذى يرقق القلوب القاسية .. زاد من ثورته على نفسه …
من بعدها مضى يقبل يديه (وش و ضهر) ، و يسجد لله شكرًا ، و يصرخ من داخله بصوت شجىٍّ كله أنين . لم يسمعه أحد من جنس البشر غيره :
ــ لكني أشاهد بأم عينى سماء ربى مرفوعة بلا عمد .. السماء التى لم يبلغها و لا يطاولها أحد من كل ما خلق غير حبيبه المصطفى ، و ينشرح فؤادى برؤيا الكواكب و النجوم السيارة فى ملكوت الله .. و أستنشق عطر الزهور فى أكمتها و أرى ألوانها حينما تتفتح بلا معين ، و أرى فى مواضع كثيرة أناسًا معاقين محمولين على الأعناق لابتلاء أصابهم ، و هم مستبشرون و صابرون .
ــ لابد ــ من تأديب هذه الذات النزقة .. جزاء هذا الجور الطاغى …
إذن ما أنت صانع يا هذا ..؟
يا من درجت على إحقاق الحق ، و إعلاء ميزان العدالة فى كل ميدان و درب تخطو فيه و لو لبعض سنتميترات محدودة ..
أم أن عليك الاستعانة بصديق ..؟
إذن عليك بأم الولد .. ابنتك .. هى من لها حق الصفح و حق القصاص لكونها الحاضنة بحكم القانون …
آآآآه .. لقد فتحت عليك بابًا لن يغلق .

***

قبل الليلة الموعودة بليلتين تجمعت الأسرة بكامل هيئتها فى بيته .. جلس فى مكانه الثابت بنفس تكوره المعتاد .. بينما كان يتضح للرائى ازدياد تكوره و انكماشه و ظهور التجاعيد بكل بقعة بجلده الرقيق .
قبل أن يبوح بما كان يجيش به صدره و يطلب العفو من صاحبة الحق .. لتعود له نضارة محياه التى كان عليها لأعوام قليلة سابقة .. و يسترجع جلجلة نبرات صوته التى كانت تطرب آذان الجميع فى عذوبة و كأنها عين السلسبيل الصافى .
جاء من يطرق عليه باب منزله بطرقات متوالية ببطء شديد .
فتح ولده آخر العنقود باب المنزل بعنف .. تحشرجت الكلمات فى حلقه من صنيع ولده المريب ..
انتظر ليعلم من الطارق قبل أن يعنف ولده ..
كان الطارق شقيقه الاصغر الذى كفله لسنوات أيام شبابه الأولى .. عند رؤياه نفض عن كاهله كل عذابات الليالى القصيرة الفائتة و صنيع ولده المشين .. صاح مهلّلا .. ياللمصادفة السعيدة .. خيرًا ما فعلت ..
خشى أن يبوح أمامه بالمخاوف التى تكتنفه من الذكرى القادمة عليه .. تراجع فى آخر رمق ..
قدومك براءة من الله ، و لو لبعض حين ..
ــ من أين مجيؤك ؟
ــ من مثوى الحبيبة !.
ــ الحمد لله على السلامة .. ثبتت الرؤية .. وضحت المعالم .. }تعيش و تفتكر} .
ــ عن أى شىء تتحدث .. يا من هو فى مقام أبى ؟
ــ عن الكلمة ، و حق الكبير ؟
ــ لقد علمت من أمى ذات يوم كان ذلك بعد فطامى بفترة .. أنهما شىء واحد !.
ــ و العفو يا شقيقى ؟
ــ من شيم الكرام .. يامن هو فى مقام أبى .
ــ أحسنت و حملت الأمانة عن علم .
ــ لأى شىء تهدف ؟.. يامن هو فى مقام أبى .
إنها مجرد حقوق على أخيك الأكبر تجاه بعض من بعضه ، و لعلك تعلم أن النفس الواحدة بها كثير من الأمر بالسوء .
ــ و مع هذا فالله غفار للذنوب …
لم يرقَ الأمر بعد لنُعِدَّهُ فى منزلةِ الجرم .
الحمد لله ، و هذا عهدى بك ..
ليتهم يعلمون ….!!

***

بعد ساعات قضاها شقيقه نال فيها ما كان ينشده ، و لم يَجُرْ فيها على حق .. غادر بيته مَأْجُورًا لا مَوْزُورًا فى أمان الله .
حمدَ الرّبّ أنه لم يفض أمام أخيه الأصغر بعذابات الليالِ القصيرة الفائتة التى اكتنفته .. بعد الوداع الذى لم يستغرق دقائق عاد لشروده الأليم يؤنب ذاته على مهل ..
لم تبق أمامه سوى ليلة واحدة و يتساوى فيها مع عمر والده فى يوم وفاته .. اثنان و ستون عامًا بالتمام و الكمال كل أيامه التى قضاها أبوه على ظهر هذه الدنيا ، و نفس عمر شقيقه الأكبر قبل رحيله لمثواه الأخير مع فارق ليال لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة ، و نفس عمر جده لأمه يوم وفاته أيضًا .
ــ (أستغفر الله العظيم ) .
{لكل أجل كتاب} .
إنك تخرج بكلماتك تلك عن الملّة .. يا هذا عد إلى رشدك القديم ، و صوابك الرشيد ..
الأعمار بيد الله ..
و لكن الهاتف الأمين يصرخ بداخله يقول :
ــ { ……… ، و اعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا} .
هذا أيضًا جزء من الإيمان ، و من حسن الفطن .
انتظر الداعى ليشد من أزره ، و يرده عن غيه ..
علق ناظريه فى السماء لبرهة .. تنصت لعبارة قيلت فى التلفاز بعد صلاة الجمعة منذ سنوات عديدة .. إنه يتذكر مخارج الألفاظ الآن جيدًا .. ها هو يصل إلى تموجات الصوت .. يفرزه عن كل الأصوات التى مرت عليه منذ القدم .. تتمثل الصورة أمامه كطلعة الصبح .. الشيخ جاد الحق .. استفتِ قلبك …
عبارة موجزة جامعة ..
ــ لا بد ــ
إعادة الحقوق لأصحابها خط أحمر .. هذا ما انتهى إليه بالتحديد .

***

راجع كل صفحات أيامه القريبة و البعيدة على حد سواء .. فى لحظات مماثلة مرت عليه من ذى قبل كان قد قرر فيها من تلقاء نفسه الخلاص الأبدى من كل أعبائه دفعة واحدة .. قام من تكوره الدائم .. شد طوله فى وسط الصالة المعتاد تناول فيها كل صنوف أنعم الله من الرزق الحلال في وسطها .. تطلع إلى كل شىء حك له جلد من حوله .. عانقه ببطء أكثر .. طالع كل ما كان يحفظه من أصول النحو و الصرف .. راجع كل مدونات سيبويه .. استرجع كل ما كان يختزنه فى جرار عقله الواعى لكل الحوارات التى كان شاهدًا عليها على مدار الاثنين و الستين عامًا المنقضية إلا ليلة واحدة .. حقق فيها جميعها .
يعلم أنه هناك متسع باق على نهاية الساعات المتبقية ليكمل المدة المدونة فى شهادة ميلاده لتُطَابِقَ عمر شقيقه الأكبر و والده و جده لأمه ..
عمل بمقولة كانت تجرى على لسان من كانت يرزقه الله من أجلها لشهور قليلة ماضية لم تتجاوز العام ..
دائمًا ما كان يرددها مرغمًا مع عدم اقتناعه بصحتها ليرضيها ..
{وقوع البلا ، و لا انتظاره} ..

مع العلم أنه لم يربطها يومًا بالعبارة السمجة التى كانت قاعدة عند المجندين بالقوات المسلحة بعد مرارة نكسة خمسه يونيو عام ألف و تسعمائة و سبعة وستين {إن جالك الموت الأول خده} ، و إن كانت تنطوى على قاعدة عسكرية صحيحة فى الامتثال لتنفيذ الأوامر دون الدخول فى بحار الديمقراطية بما لها و ما عليها .
عندما حاول أن يفرد طوله كما كان يصنع أيام شبابه بدت أمام ناظريه بعض الندبات التى كانت غائرة بين طيات جلده (المكرمش) لسنين طويلة .
تخير من فراغ الصالة مكانًا يكون صوتُه مسموعًا فيه للجميع حتى لا يصاب بالإعياء من فرط نداءاته .
انتوى التواصل مع كل أفراد أسرته كما تعلم من الحوارات التى كان كرسيه أثناءها في آخر الصفوف ..
ــ قبل أن يبسمل تأكد أن جميع من لهم حقوق فى رقبته تحت مرمى بصره …
بعد البسملة و التشهد و الصلاة والسلام على النبى التى كان مداومًا عليها .. تأكد أن عِلّتَه (ركاكة نطقه للضاد) لا تطفو بحرف واحد مما قاله بملء فيه
ــ فرح ــ
طلب من كل من له حق عنده أن يقتص منه فى التو و اللحظة قبل أن تسبقه يد المنون …

***

عندما تبسم ولداه من ظهور عظام ضلوع أبيهما و بروزها من الـ (تى شيرت) الرقيق ، فى حين كانت البنات الثلاث شقيقاتهما يسترن والدهُنّ بالقبلات على يديه و رأسه و يدثرنه بوشاح النبل و الطهارة و الأبوة الطاغية .

بينما كان أحفاده الثلاثة يكفكفون دموع جدتهم المنسابة على وجنتيها تاركة أخدودًا بعمق سنين العِشْرَةِ بينهما ، و هى تتقدم نحوه لتقتص لنفسها حساب الأيام التى تكدرت فيها بعيدًا عنه أيام مرضه الأول يوم تركيبه دعامة للشريان التاجى منذ عشر سنوات قبل الإحالة للمعاش و ما بعدها .
فتح ذراعيه على طولهما ، ثم أخذها فى حضنه أمام الأولاد و الأحفاد يقهقهون و صوت قهقهتهم يجوب المدى من حولهم .
طبع على رأسها قبلة حانية .. ردتها بأحسن منها و هى تقول {يجعل يومى قبل يومك}.
تحشرجت الكلمات التى كان أعدها على مدى عمره كله فى كل مجالس الحوارات و الندوات التى كان حريصًا على حضورها بالرغم من عدم المشاركة فيها بكلمة واحدة مخافة أن يعرف الأخرون (علته) فى حرف الضاد فيصمونه بالعار .
الكلمة التى كانت تماثل حروف البسملة و تخلو من حرف الضاد .
و لأن الرجال لا تبكى و لا تتراجع عن أمر قطعته على نفسها و لو كانت مجرد كلمة أَبَى أن يذرف دمعة واحدة أمام الأولاد و الأحفاد .
هرع إلى (الحمام) ليقضى حاجته كعرض من أعراض مرض السكري .. طفق داخله لساعات يسعل فيها كثيرًا دون أن يعلم الأبناء و الأحفاد عن سعاله .
طرقت عليه زوجته الباب بعد طول انتظار لعلمها بما يشعر به دون أن يبوح بحرف واحد ..
ــ يا أبو … لو كان الأجل قد حان فالأفضل لك أن تكون فى أبهى صورة .
كانت قراءتها مغايرة لكل قراءاته السابقة .. اقتنع ..
خرج معافًا يمارس الحياة و هو مدرك أنه مفارق لا محالة .. لم يتقوقع داخل ركنه الثابت الذى كان حدده لنفسه بنفسه .. شارك الأحفاد فى منازل مراتعهم دونما تثريب .

ليلة الاحتفال بميلاده السابع و السبعين كانت الأعراض كلها قد توارت مع حرارة التواصل فى كل المجالس ، و أصبح يعتلى كل المنصَّات ، و الكل يجمع على قدرته و بلاغته فى نطق كل حروف اللغة .. و بخاصة الضاد …….

***

السابق
حصاد
التالي
دمعـــــة

اترك تعليقاً