القصة القصيرة جدا

قهوة… و كاوكاو …

قطع مسافة مقدار شارع وسط المدينة ثم انحرف إلى زقاق… ، و لم يكن يدرك المسافة التي بقيت للوصول إلى المقهى المجاورة…دخان سيجارته يلف عنقه ، يستعذب مداعبته لقفاه ….و ضجيج المارة يتسلل إلى كلّ زوايا المكان المهجور …تتكوم في نفسه افتراضات غريبة …يتوهم كل العالم ينظر إليه و من حوله سيارات عاطلة من كلّ الماركات ، يحاول حجز المقعد الأمامي لأقربها ، لم ينظر إلى المسافة التي تفصل بينه و بين المقعد ، وقعت رجله في الوحل ، يحدّث نفسه سرا : متى أصل ؟ … و حبّات (الكاوكاو) ، تتناثر في فوضى ، يهرس ما وقع منها بين أضراسه على عجل ، تحدث طقطقة ، يتلذذ بها ، تقع حبّات ، يفركها بقدمه الذي يملأ حذاءه الخشن لسوء حظها ، يداه ترتعشان للهفة غير مفهومة … و رغبة قديمة ، يلتفت ذات اليمين و ذات الشمال كالخائف من شيء يتربص به . يتوقع زحاما أمام مكان ضيّق ينشده منذ نعومة أظفاره ، يكتفي دوما بنظرة واحدة لحذائه كلّما همّ بالسير إلى الوراء / الأمام ، لم يعجبه سواده ، لم ينتبه لرائحته النتنة أيضا …و قهوته (الطالعة)02 المعتادة التي طلبها منذ اشتهى مقعد السيارة الأمامي ، لم تحضر بعد و كان بامكانه أن يطلبها بالحليب كما نصحه طبيب المدينة من قبل و حذّره من الإصابة بمرض الشمايت و يكثر عطسه و يقلّ مشمتوه ، يلتفت يصيح : يا شيفور ويكت ديماري … العابرون في الجهة الأخرى من الرصيف يزعجهم صراخه ، اكتفوا بالصمت ، رسم جميعهم علامات استفاهام على هامش رصيفه …ينتظرون هدوءا …ربّما ذهنه الشارد أملى عليه بعض فضول الأطفال و تاه بين دمية و دب و أرنب وووو…، يعبث قليلا بمفاتيح السيارة التي تركها صاحبها ، ظنّها تقله إلى البيت ، أيّ بيت …خلى الشارع من المارة…انتبه إلى ما حوله …لم يكن الأمر مزعجا في بدايته …أراد تشغيل المحرك من باب التجريب ، لم يستجب ، نظر إلى الخلف :”أعْطُونَا دَحْيَة اللُّورْ لالالا القدام يَا رْحَمْ وَالْدِيكُمْ “03… سمع قهقهة…و خليطا من الأصوات …أزعجه الأمر أيضا …مسح بيده على حذائه ، أزال بعض غباره ، ترجّل، رمى قهوته (جوتابل) 04 الباردة ، ابتلعهته أزقة المدينة…وأخذ يردد :
– يا رايح وين تروح تعي وتولي05…
و تضاءل صوته و امتصته جدران المدينة الواسعة و العالية ….
ــــــــــــــــــــــــــــــ
كاوكاو : الفول السوداني.
الطالعة : مركزة.
ساعدونا على دفع السيارة إلى الوراء لالالا إلى الأمام و الله يرحم والديكم.
جوتابل : كوب بلاستيكي لا يصلح للاستعمال إلا مرة واحدة.
مقطع من أغنية مشهورة للفنان الشعبي الجزائري دحمان الحراش.

السابق
رحلة
التالي
كذبة نيسان

اترك تعليقاً