القصة القصيرة

كذبة

قبل ان ادير المفتاح في قفل الباب، وادخل عليهم فجأة، جلستُ على حجر واسندت ظهري الى جذع شجرة، استرد انفاسي اللاهثة، بعد مشي مستعجل شارف الركض محمولٍ على جناح لهفة جامحة كلهفة الطفل الى لعبته الجديدة، رغم ان الواد أخذ من وقتي الثمين وفرض علي اضاعته في نزع الحذاء والجوارب واعادة ارتادئهما بعد عبوره.! كتمت انفاس اللهفة المستعرة داخلي، واشعلت سجارة بدت كزهرة من جمر في برعم تفتق بين ترابٍ من ظلامِ ليلٍ في خطواته الاولى. تحسست الهدية الغالية كمن يتحسس وجه صباح مشرق بعد ليالي طويلة من عمر مظلم. كان بودي ان افتحها حال تسلمتها، لكن اللجنة المنظمة للمسابقة فرضت علينا، نحن الفائزون، ان لانفتحها إلا حين نلج بيوتنا وامام عيون عائلاتنا، حيث سنستلم كلمة السر الخاصة بكل علبة من علب الجوائز الذكية عبر هواتفنا، إذ تمكنهم تقنية تحديد الموقع الجغرافي من فضح كذبنا إن حصل.! نظرت الى هاتفي الذي تسلفت ثمنه قبل السفر لتسلم الجائزة. نظرت الى عدد المكالمات الواردة من زوجتي دون ان ارد عليها، رغبة مني في ترك امر عودتي المظفرة مفاجأةً غير متوقع اوانها.. كنت اعلم انهم تابعوا عبر التلفزيون الصغير الحفل الخيالي لتسليم الجوائز، وبلاشك فرحوا وهللوا وهم يروني امام الكاميرات والاضواء والالوان والتصفيقات، تزين صدري لاول مرة ربطة عنق زاهية هي جزء من بذلة كاملة رجوتُ كثيرا زوجتي حتى ذهبت واستعارتها من زوجة شخصية كبيرة في الدوار. بالتأكيد لم يلحظوا الدوخة التي كانت تغشو عيني، ولا الارتباك الذي جعل اقدامي كما من مطاط انا الذي لم ير تلك الاجواء من قبل إلا في التلفزيون، وبالتأكيد لن تُظهِر الكاميرا حبات العرق التي كانت تبحلق دهشة وخجلا على جبيني الملوح.! لكن، وبكل تأكيد، نما الفخر في نفوسهم وهم يروا وجهي النكرة يطل عليهم من التلفزيون، ويمسي وجها مشهورا؛ ومَن مِن وجوه ناس الدوار سبق وان كحل عينه بضوء الكاميرا وتزين بماكياج الاستوديو.!؟ كما لابد ان زوجتي التي ياما دعت علي بمشية بلارجوع، ان تنتظر عودتي الميمونة وتدعو بسلامتها. ولابد ان تنمو الغيرة في صدرها الاجوف كطبل.! لابد ان تعترف بخطئها، وتتعلم بدورها الكذب، وتكف عن نعتي بالكذاب، وقد تدعو على الصدق والصادقين، فطالما وقف الصدق شحاذا على باب الكذب.! ستدرك لامحالة ان الكذب يشبه السحر، وان الكاذب يستطيع حبس أي شيء كما حُبِس الجني في الزجاجة. وسترى بام عينها ان الكذب كرامة اخرى تهب بركة ويمنا..وتصنع مصيرا.! الخرقاء لم يخطر لها قط انه يمكن تنظيم مسابقة بمناسبة كذبة ابريل، في اليوم العالمي للكذب، لاختيار كذبة العام وكذاب العام، يجري فيها تتويج الفائزين بموفور الجوائز وجعلهم نجوما في المجتمع.! المسكينة لاتعلم ان العلبة الثمينة تحوي داخلها شيكا سمينا لم احلم به من قبل، ولن اعرف رقمه بالضبط إلا حين افتحها، كما انها لاتعلم انه سيتيح ليس تغيير حياتي فقط، بل وتغييرها هي نفسها ولْتبحث حينها عن الصادق بعد ان عيرتني طويلا بالكذاب.! من حقي ذلك طبعا، فالجائزة عصارة ليالي طويلة من التفكير، استحضرت فيها كل خبرة الكذابين التي في ذخيرتي، وحاولت انجاز ثورة في الكذب، وتوصلت الى كذبة لايصدقها السامع فحسب، بل وحتى صاحبها.! لهذا صدقتها ولم اتخلص من سحرها إلا بفضل الارتباك الممزوج بالخوف الذي اعتراني وانا ادخل الاستوديو اول مرة في حياتي، وارجو ان لاتكون الاخيرة، لأتسلم الجائزة باعتباري الفائز الاول، ولابد ان كذبتي الثورية انطلت عليهم وكنت الاول.! لقد آن الاوان لاسترد هيبتي، بعد ان ادخل الدار، واعيد زوجتي الى حجمها الطبيعي، واجعلها تشعر بخزي الذنب تجاهي، حين استلم كلمة السر الخاصة بعلبتي الذكية، وافتحها لترى المبلغ المرقوم على ورقة الشيك الذي لم يدخل جيبي من قبل ولم يسبق لعينها هي ان رأته.! لهذا نهضت مستعجلا، قبل ان انهي السجارة، ودخلت فجأة على عيونهم المندهشة. دون ان اعير زغرودة زوجتي اهتماما، ولاعناق اولادي، واتجهت رأسا الى طاولة الاكل الفارغة حيث وضعت العلبة الزاهية، وادخلت الرقم الذي وردني عبر رسالة نصية في قفلها الذكي بكل استعجال، فيما وجوه افراد عائلتي متحلقة حولي دون ان تكف عن تصريف دهشتها الفرحة اسئلة متلاحقة لاتنتظر جوابا.! نظرتُ الى زوجتي متوقعا ان تضع يدها على صدرها وتصرخ دهشة حين ترى مابداخل العلبة؛ لكني حين نظرت الى داخلها لما انفتحت ، ورأيتُ شاشة صغيرة كمرآة تطل منها يد مبسوطة تمد اصبعها الاوسط في حركة بذيئة مصحوبة بقهقهة فاجرة وساخرة، وضعتُ يدي على صدري، وسقطتُ..!

السابق
رثاء
التالي
واقع

اترك تعليقاً