القصة القصيرة جدا

كساد

غصت سماء السوق بالضوضاء و الغبار و الأبخرة ، و كانت شمس غشت ترسل شواظا من نار على الناس الذين يطوفون حول المعروضات ، ويقتنون ما تشتهي أنفسهم بعد مساومة و طول جدال . أمام كومة طماطم قضى عيسى يومه يستدرج المتسوقين لشراء سلعته بثمن بخس ، لكن كانوا عنها معرضين ، غير عابئين .أصيب بيأس قاتل عندما آذنت الشمس بالمغيب ، و لا زال لم يبع شيئا ؛حينها أيقن أن بضاعته كاسدة و أن حظه نكد ، فقرر مغادرة المكان. ألقى بجلبابه الداكن على كتفه الأيسر ، ثم مضى يجر جسمه المنهك كمن يساق – قسرا – إلى مصرعه . قطع مسافة قصيرة ، و مال بعنقه إلى الخلف ، فرأى أمرا عجبا : جمع غفير من البشر تكالبوا على طماطمه ، يملأون الأكياس و القفف ، متدافعين . اندلعت النيران في دمائه ، فعاد أدراجه هائجا ، ثم ارتمى بكل ثقله وسط الحشد ، و راح يرفس الثمار الحمراء ، و يعجنها ، وهو يلهث . انفضوا من حوله مذعورين ، وتركوه – و هو الأصم الأبكم – يلوح بيديه متوعدا مهددا .

السابق
حضور
التالي
براءة قلمي

اترك تعليقاً