مقالات

كيف تناول الأدب موضوع الأوبئة عموماً

خلال الأيام الماضية، رصدت وسائل الإعلام إقبالاً كبيراً من الإيطاليين على شراء وقراءة روايتي “الطاعون” لألبير كامو و”العمى” لخوسيه ساراماغو، والسبب هو الانتشار السريع لفيروس كورونا المستجدّ الذي يجتاح إيطاليا حالياً، وهو وباء حصد في أسابيع قليلة أرواح المئات حول العالم. إنّ هذه العودة المحمومة لقراءة ما يسمّى “أدب الأوبئة” ليست وليدة اليوم، فهي تتكرَّر تاريخياً كلّما حلَّ وباء جديد في مكان ما من العالم، والإنسان بغريزته ميّال إلى البحث عن وقائع أو حالات مشابهة في التاريخ، ليستلهم منها وسائل عملية للوقاية أو لمواجهة الوباء في حال فشلت حكومته في ذلك. وهذه ظاهرة تدفعنا إلى التساؤل: كيف تناول الأدب موضوع الأوبئة عموماً؟ وهل تنبّأت الرواية من قبل بوباء يُشبه فيروس كورونا الحالي؟.

من الموت الأسود إلى أدب الديستوبيا
يعيش العالم هذه الأيام تحت تهديد الإصابة بعدوى فيروس كورونا المستجدّ، وسط مخاوف من أن يتحوّل إلى “موت أسود” جديد يفتك بالملايين من السكان، إذا فشلت البشرية في محاصرته والقضاء عليه، أو فقدت السيطرة نهائياً أمام انتشاره السريع. إنّ مصطلح “الموت الأسود” يشير عادةً إلى وباء الطاعون الذي اجتاح أنحاء أوروبا بين عامي 1347 و1352 وتسبّب في وفاة ما لا يقلّ عن ثلث سكّان القارّة. وكان الرّواة الدنماركيون والسويديون هم أوّل من استخدم هذا المصطلح، وقد تكرّس مع إصدار كتاب “الموت الأسود في القرن الرابع عشر” للطبيب الألماني يوستوس هيكر في عام 1832، والّذي لقي صدى كبيراً، خاصة أنّه تزامن مع انتشار وباء الكوليرا في أوروبا. وقبل صدور هذا الكتاب بسنوات قليلة، كانت ماري شيلي، التي كتبت رائعة “فرانكنشتاين”، قد أصدرت رواية بعنوان “الرجل الأخير” عام 1826، وهي تحكي قصّة رجل يعيش في عالم مستقبلي اختفى منه البشر بسبب الأوبئة، وقد سبق لشاعر فرنسي اسمه جان بابتيست كوزان دي غرانفيل أن أصدر قصيدة نثرية ملحميّة بالعنوان نفسه عام 1805، وهي تعتبر في نظر الكثيرين أوّل عمل حديث في أدب الديستوبيا.
أما بالنسبة لما يسمّى “أدب الأوبئة”، فقد انتشرت الروايات حول الفيروسات والأوبئة على نطاق واسع خلال القرنين الماضيين. وهناك عدد كبير الأمثلة: من الشهادات الحقيقية لدانيال ديفو في “مجلة الطاعون” إلى الأعمال الكلاسيكية الحديثة، مثل “الطاعون” لألبير كامو أو “الحب في زمن الكوليرا” لغابرييل غارسيا ماركيز. وقد ازدادت شعبية هذه الروايات المهووسة بالأوبئة الفتاكة منذ مطلع خمسينيات القرن العشرين، في فترة تأجُّج المخاوف من نهاية العالم بسبب احتمال نشوب حرب نووية بين القوّتين العظميين. وعموماً، تحكي هذه الروايات حول الأوبئة التي قد تهدّد البشرية إمّا عن انتشار مرض غير معروف في الماضي أو عن أحداث تعقب تفشّيه، وقد يأتي المرض إمّا من فيروسات متحوّلة أو متطوّرة من مرض معروف، أو من فيروسات أنشأها العلماء (عمداً أو عن طريق الخطأ)، لكن في أغلب الأحيان لا يتمّ تحديد مصدر أو منشأ المرض، ما يمنح الحبكة مزيداً من الغموض.

“عيون الظلام” تتنبأ بفيروس كورونا؟
مع ظهور فيروس كورونا قبل أسابيع، عادت بقوّة إلى الواجهة بعض روايات الأوبئة القديمة، لأنّه تبيّن للجميع أنّ هذا النوع المستجدّ من الأنفلونزا ليس أقلّ فتكاً من تلك الأوبئة المتخيّلة. من هذه الروايات، مثلاً، رواية الكاتب الأميركي دين كونتز «عيون الظلام». صدرت هذه الرواية في عام 1981، وفضلاً عن كونها رواية من روايات الرعب، فأحداثها تتشابه مع أحداث الواقع الراهن بشكل مثير للدهشة. إذ رغم أنها كُتبت قبل 39 عاماً فإنها تفاجئ كلّ من يطالعها بقدرتها الرهيبة على التنبؤ بالمستقبل، إذ تتحدّث عن فيروس ينطلق من مدينة ووهان الصينية (كذا!)، ويتفشّى سريعاً بشكل خارج عن السيطرة، وهو بالضّبط ما حدث منذ أكثر من شهر، مع ظهور فيروس كورونا في هذه المدينة الصينية تحديداً، قبل أن ينتشر خارج الحدود ويصير خطراً عالمياً متنامياً. وقد اشتهر الكاتب الأميركي دين كونتز دوماً برواياته التي تحمل طابع التشويق والغموض، وتمزج أحياناً بين الرعب والفانتازيا والخيال العلمي، وصنّفت بعض أعماله في قائمة نيويورك تايمز لأعلى الكتب مبيعاً، وهو يبلغ من العمر 74 عاماً، وأصدر حتّى الآن أكثر من 80 رواية. ومن غرائب الصّدف أنّ المختبر الذي تتحدّث عنه روايته، يقع على بعد 22 كيلومتراً فقط من مركز تفشّي فيروس كورونا المستجدّ.

ما علاقة الأوبئة باللغة؟
ربما تكون رواية “نهاية العالم” قريبةً أيضاً مما يحصل هذه الأيام مع فيروس كورونا، وهي رواية كتبها عبقري الرّعب ستيفن كينغ عام 1978. في هذه الرواية، تبدأ نهاية العالم من شيء تافه وبسيط مثل الإنفلونزا لكنّها ليست إنفلونزا عادية، إذ تمّ تعديل هذا الفيروس في المختبرات العسكرية السرّية ليصبح سلاحاً بيولوجياً فتاكاً. تصف الرواية خطوة بخطوة كيف ينهار المجتمع ويصبح شبيهاً بغابة، وكيف يرتقي النّاس المحصَّنون ضدّ المرض إلى مرتبة الآلهة الصغيرة. تتميّز شخصيات الرواية بالمناعة والصّلابة، مثل أغلب شخصيات ستيفن كينغ، على الرّغم من تهديد الإنفلونزا القاتلة الّتي اجتاحت العالم، بحيث يصعب عليهم التهرب طويلاً من المواجهة: فرض الحجر الصحي، وقوع خروقات أمنية وتزايد الاعتقالات، ثم أخيراً سطوة غريزة البقاء الّتي لا تسمح بالنّظر إلى الحياة في شموليتها، وإنّما تركّز على الحلول الفردية الّتي تفرض على الشّخص التفكير في النجاة بجلده أوّلاً، حتّى ولو كان ذلك على حساب جميع البشر.
إنّ “أدب الأوبئة” يمثّل انعكاساً حقيقياً لهشاشة الإنسان، وهو لا يقلّ أهمية عن أي نوع آخر من الأدب الحقيقي. نجد هذا مثلاً عند رائد الخيال العلمي هـ. ج. ويلز في روايته الشهيرة «حرب العوالم»، حينما تخيّل هبوط مركبات تقودها كائنات فضائية متطوّرة، تستعمر الأرض وتستعبد الناس وتجرّدهم من كلّ ممتلكاتهم، بفضل أسلحتها المتقدّمة التي تهزمت بها الجيوش البشرية وتدمّر العمران. لكن، حين يئس الناس واستسلموا للعبودية، حدث ما لم يتوقّعه أحد: بدأت تلك المخلوقات في الهلاك بصورة مفاجئة، وأخذت تتساقط الواحد تلو الآخر من تلقاء نفسها. وبعد البحث والتقّصي اتّضح أنّ المخلوقات الفضائية لم تكن لديها مناعة ضدّ الجراثيم الأرضية، الأمر الذي أدّى إلى إصابتها بأمراض غير معروفة في مجالها الحيوي البعيد، إذ ليست لديها مناعة تحميها على كوكب الأرض. أيضاً تحضر الديستوبيا مراراً في أعمال الكاتبة الكندية مارغريت أتوود، وهو ما نجده مثلاً في روايتها الشيّقة، وغير المعروفة بشكل غريب، “كريك وأوريكس”. وفيها تصف الدّمار إثر طاعون أهلك البشرية، حيث يعيش الناجي الوحيد من البشر في الغابة، ويتطلّع كلّ يوم إلى أنقاض مدينة عظيمة، وأثناء ذلك يتساءل عن معنى وجود الأطفال، وما هو شكلهم، لأنه لا يستطيع تخيُّلهم على الإطلاق. وهنا تطرح أتوود سؤالاً عميقاً بخصوص الهوية الإنسانية: ما علاقة الأوبئة باللغة؟ وتحاول الإجابة عنه بوضوح وألمعية من خلال أحداث هذه الرواية.

أخيراً، لقد ألهم هذا النوع من الأوبئة الكثير من الأدباء، وكتّاب الخيال العلمي بشكل خاص، من بينهم مثلاً جورج ر. ستيوارت في رواية “بقايا الأرض”، وهي تصف عالماً خالياً من البشر بعد أن فتك بهم فيروس غريب. ومن الإصدارات الحديثة أيضاً، رواية “إقفال” لجون سكالزي، وهو آخر الكتّاب الكبار في هذا النوع من الأدب، وهي تحكي عن فيروس تظهر أعراضه على شكل إنفلونزا بسيطة، يشبه فيروس كورونا الحالي، إذ يصيب واحداً في المئة فقط من السكان، لكنّه لا يؤدّي إلى الموت وإنّما يشلّ ويجمّد حركة المصاب ويتركه مستيقظاً واعياً، بحيث يصير غير قادر على الاستجابة لأيّ محفّز. من هنا تبدأ رواية بوليسية تجري أحداثها في فضاء مرعب، كما هي الحال اليومَ في مدينة ووهان الصينية.

السابق
عُواء
التالي
وطني

اترك تعليقاً