القصة القصيرة

لاجئ عربي

يركضون نحو الأمل، يسبحون باتّجاه الموت، يلتحفون أكفانهم ويسيرون، إلى أين؟ من يدري إلى أين ستقودهم خطاهم أو خطاياهم…
ينشبون مخالبهم بآمالهم المشروعة ويسيرون، يستقلّون مراكب الوهم، دليلهم أعمى؛ لا خارطة ولا بوصلة تنير لهم الطّريق، يعتمدون على النّجوم، والسّماء فوقهم ملبّدة بالغيوم، لا ملامح لها، ويكأنّها تدرك أيّ مصير ينتظرهم! لكنّهم لا يأبهون، ويستمرّون بالهرولة، لاجئون، لاجئون من جنسيّات مختلفة، أخوة كانوا، لغتهم واحدة، ودينهم واحد، ومصيرهم أيضًا، لكن المارقين الجدد؛ أصحاب العمائم ومخاتير الذّل والشّعوذة شتتوا أوصالهم، فأصبحوا أجناسًا مختلفة، لكنّ الهروب وحدّهم؛ لاجئون وهاربون من كلّ شيء، ذهب عصر النّفاق بأحلامهم، وأكل أرباب الفساد آمالهم، وجثم أصحاب النّفوذ والسّلطان على لقمة عيشهم، ودمر الأعداء بنيانهم، فكانت الفضيحة أكبر من أنْ تغطّى بورقة توت، وكانت الفاجعة أعظم من أنْ تُنسى، لكنّنا تعلّمنا أنْ ننسى؛ هكذا تعلّمنا نحن القابعين هنا، تحت رحمة هذا الوهن؛ وهكذا أصبحوا هم لاجئين عرب…
رأيتهم يسيرون ولسان حالهم قد توحّد، وحدهم فجر كاذب، رأوا أنّه قد يكون هناك، بعيدًا عن هنا… إلى أين أيّها الهارب من كلّ شيء؟ إلى أين تريد؟
هل تبحث عن المدينة الفاضلة؟ هل رحلت الملائكة عن زمانك فتلوّث الهواء برائحة الخونة وأزلام الشّياطين، فلم تعد تستطيع التّنفس؟
أهي رياح اليأس وقد عصفت ببقايا ذاكرتك؛ فنسيت من تكون، فإلى أين تسير؛ تجري بخطىً سريعة، حاملًا بقايا حقيبة على ظهرك؛ إلى أين تريد؟
– إلى هذا المركب الّذي لا يحمل شراعًا، ولا علامات فارقة، ونحو المحيط ؛ إلى الموت أو الحياة، أو المجهول، لا فرق الآن بين المسمّيات، فالكلّ أصبح سواء…
– – ولمن ستترك هذا المكان أيّها الرّاحل؛ لمن ستتركه؟
– وهل ما زال المكان كما كان، ألم ينقلب الزّمان علينا، ألا ترانا وقد تقطّعت أوصالنا ولفظتنا الحياة، وتفرّقت بنا السُّبل، لاجئون نحن، لاجئون في أوطاننا، وفي كلّ مكان نذهب إليه، لاجئون من كلّ شيء، لاجئ أنا من بيتي وذاهب إلى العدم بإرادتي، وسأمارس آخر ما تبقّى لي من حريّتي المسلوبة، سأرحل عن بلاد ضنت عليّ بأبسط حقوقي، عن بلاد أصبحت فيها غريبًا، عن بلاد تاجر بها أبنائها؛ فأصبحت تباع وتشرى، لاجئ أنا عن بلاد العُرب، لفظوني وراء ظهورهم كشيطان أجرب، وقتلوني بصمتهم، ثمّ تداركوا الأمر بعد أنْ فضحهم عجزهم، فأبدوا أسفهم ورموا على جثّتي بقايا تنديداتهم، واستخدموها كشحّاذ يتسوّل فتات الطّعام ليظهروا للعالم حُسن نواياهم، جعلوني كثور يدور في ساقية؛ فلا السّاقية تعبت، ولا الماء خرج منها… لاجئون نحن في بلادنا، لذلك قرّرنا الرّحيل.
– لا، لم يضق المكان بنا في هذا الزّمان لنهجر أرواحنا ونرحل، أما تستطيع البقاء ولو قليلًا، ألا نستطيع الصّبر رغم كلّ هذه الصّعاب، لعلّنا نداوي جراحاتنا، ونلملم أشلاءنا، ونكفكف الدّموع عن أعين أطفالنا وأمهاتنا، وندفن موتانا كما يستحقّون، ونودعهم بما يليق بهم، ونرمّم جدران هذا القلب، وهذا المكان؛ أرضنا وذكرياتنا وتاريخنا كلّه؛ هنا ولدنا وهنا سنموت، ما زال بإمكاننا أنْ نحلم، فدعنا نحاول أنْ نعيد ترتيب هذه الفوضى من جديد، ما زال بإمكاننا أنْ نأمل بقادم أجمل، وقد نموت نعم، قد نموت قبل أنْ نحقّق شيئًا، لكن أنْ نموت هنا، وليس هناك، ولست وحدك، لسنا وحدنا في هذا…فتوقّف قليلًا واستمع إليّ وعد لنفسك؛ فأنت لم تكن يومًا إلّا أنت؛ لست لاجئًا ولم نكن يومًا لاجئين، وهذا الجحيم سينتهي، وسيرحل إلى غير رجعة، وهذا الزّمان وقد دار دورته، ولا بدّ للمسار أنْ يستقيم، وهذه سنن الله في خلقه وقد تحقّقت؛ أُمرنا فعصينا، ونُهينا فما انتهينا، فكان ما كان… فلا تيأس من روح الله، ولا يغرّنّك الشّيطان وأعوانه؛ كثيرون مرّوا من هنا، لكنّنا نسيناهم، كثيرون مرّوا من على جثثنا لكنّهم ذهبوا وإلى غير رجعة، فلم يكونوا منّا ولم نكن يومًا منهم، فإيّاك أنْ تذهب، وانظر إلى غدك إنّه قادم، قادم إليك ما دمت تملك الإصرار على الذّهاب إليه، خطوة بخطوة ونلتقي في منتصف الطّريق أو في آخره لا فرق؛ ما دمنا نسير، وحتّى لو لم نكن ملائكة، وحتّى لو عاش بيننا كلّ الشّياطين؛ فالغد يسير لمن يملك إيمانًا بعدالة الحلم…
هل ما زلت مصرًا على الرّحيل؟ إذن لمَ لا تأخذ معك من تحبّ؟ أم لم يبق في القلب مكانًا لمن أحببت؟ أتراك أدمنت الوحدة فلم تعد تخشاها؟ ألا تخشى جفوة هذا الزّمان بعيدًا عن هذا المكان؟ ألا تخشى من الغرق في بحر عواطفك في لحظة ما قد تستيقظ فيها ذاكرتك؟ فتهيج وتعصف بك هناك، ألا تخشى أنْ يغشى بصرك صور مكانك وزمانك؛ فتجده يشكوك إليك وهو ينزف ألمًا وشوقًا لرؤيتك، هل تستطيع أنْ تتحمّل الموت كلّ يوم بعيدًا عن هنا؟
لا تذهب بعيدًا، ما زال بإمكانك أنْ تتراجع، أنظر إليَّ، انظر من حولك، فأنا أخشى عليك، اِبق معي هنا، وانظر جيّدًا ماذا ستترك من خلفك، وماذا ستفقد وماذا ستكون…ستترك قلوبًا لسوف تحترق حزنًا عليك، وستفقد وطنًا وتغدو بلا هويّة وبلا أيّة علامات فارقة، وستضيع مع جملة الضّائعين، وستكون لاجئًا برقم مجهول في عتمة الظّلام، ولسوف تُنسى هناك؛ كأنّك لم تكن…

السابق
قراءة في نص “مثال”
التالي
اغتراب

اترك تعليقاً