القصة القصيرة

لامُ الألِف.

حينما اجتمعت الحروفُ الهجائية وصاغت بيانَ قِمتها الختاميّ، كانت قد وضعت حدود خارِطتها الْجُغرافية. جاء في بيانها أن عددَها ثمانيةٌ وعشرون حرفًا ليس أكثر وليس أقل. كانت لهذا الحدث تَبِعَتُهُ الخطيرة التي دفعت (لامَ الألِف) للتقدُّم بطلب إعادة النظر في البيان وإضافته إلى بقية الحروف لتصبح بذلك تسعةً وعشرين.

اقتَرَحَ وضعَه الحرفَ قبل الأخير في الترتيب (بين الواو والياء) حلًّا مُبَكِّرًا لبعض المشاكل المتعلقة بِبِنْيَةِ ترتيب الحروف. تُـمكِنُ بهذه الطريقة – مثلًا – المحافظةُ على عبارة “من الألِف إلى الياء” دون المساس بتاريخها.

تأزَّمت محنتُه بعد أن رفضت الحروفُ طلبَه بالإجماع، وازدادت نفسُه ضِيقًا بعد أن (لامَه) حرفُ (اللام) على إصراره غير المبرر مُذَكرًا بما يربطهما من صلة رَحِمٍ. هو نِتَاجُ زواج أبٍ (لاميٍّ) من أمٍ (ألِفيةٍ). إنه ينسب إلى العائلتين معًا وإصراره يُعَدُّ انشقاقًا عنهما.

حرفُ (الصَّاد) هو الآخر كان (صَادًّا) مشروعَه بحُجة أنَّه كلمةٌ وليس حرفًا. لكنه بدا متناقضًا حين قال: “إنك أصغر من أن تكون حرفًا”. تواتَرتِ المشاكلُ بعدها فكانت وِجهة نظر حرف (العَين) الذي (نظر) (بعَينِ) التَّشفي لـمَّا زاده (الذالُ) (إذلالًا) بقوله: “إن كنتَ ستنتمي إلى الحروف فستكونُ صِفرَهَا.”

نسيَ الذالُ – أو تجاهل – أن مكانةَ الصِّفرِ كبيرةٌ بين الأرقام. بوجوده دخلت حِقبة خانة العشرات ومنها إلى المئات ومن نصرٍ إلى نصرٍ. ها أنَّ الصِّفرَ إذن (حرفٌ) مهم في أبجدية الأرقام.

تبادرت إلى ذهن لامِ الألِف فجأةً قصةُ حفلِ عشاء الأرقام؟ ذاك الذي أقامه الرقمُ (ستة) في بيته ولم يدعُ إليه الرقم (سبعة) لمجرد كونه لا يحبه. لكن (سبعة) طرق الباب بشجاعة مستفسرًا عن السبب…

تحجَّجَ (ستة) بأنَّه يُقيم الحفل خِصيصًا للأرقامِ الأصغر منه، وأنَّه سيدعوه متى احتفل مع الأرقام الأكبر وإلى ذلك الحين يجب عليه احترام خصوصية الضيوف.

مازال لامُ الألِف مُصرًّا على كونه حرفًا، حرفًا مُهمًّا ينهى وينفي. غير أن البقية سئمت نقاشَه حتَّى اجتمع الألِفُ المضمومُ مع الفاءِ ليتذمرا في كلمة واحدة.
لم تكف السخريةُ عند هذا الحدّ. (دَلَّهُ) حرفُ (الدَّال) على فكرة قال إنها الأفضل. فقد اقترحَ عليه – ببساطة – أن يذهب إلى الجحيم.

عناد الحروف يُقحم قصة حفل الرقم ستة في ذِهنه، غير أنه لم يجد مدخلًا منهُ يخترق إصرار الآخرين على رفضه مثلما فعل (سبعة) حين استرق النَّظَرَ من ثَقْبِ البابِ ووجد الرقمَ ثمانية بين الحضور، فما كان منه إلا أن أعاد الطرق طالبًا شرح الموقف أو تبرير الكذبة.

لكنَّ الرقمَ ستة أصرَّ على أنَّ الذي رآه ليس (ثمانية). إنَّه الرقمُ صفر مُلتَفِتًا إلى الخلف بعد أن ثبَّت قدميه ولفَّ وسَطَهُ.

فكَّر لام الألف في طريقة يُثبت بها أهميته حرفًا حقيقيًّا. يريد أن يقول إنه ليس كأي ناسخ أو فعل ماضٍ ناقص. كما أنَّه لا يشبه أفعال الشُّروعِ والمقاربةِ والرَّجاءِ. إنه لا يمكنهم الاستغناء عنه بأية حال.

تظاهر لامُ الألِف بالهدوء منتظرًا أولَ فرصة تتيح وضع تعريفٍ يليق بمكانته الهجائية. لم يدم انتظاره طويلًا فقد جاءت مناسبةٌ اجتمعت فيها الحروفُ لتكوِّنَ نَصًّا مَصِيريًّا. أدرك لامُ الألِف مُبكِّرًا أنَّ في النَّصِّ بندًا لن يُوافَقَ عليه، لذا ستحتاج الحروفُ إلى وضع (لا) في بداية إحدى الفِقرات. ستكون هذه فرصته إذن.

تماما كما خطَّطَ…

اجتمعت الحروف مُشَكِّلة النصَّ تاركة مكانَ كلمةٍ واحدة في بداية فِقرة. استعمل حرفُ (الياءِ) (ياءَ النداءِ) للنداءِ عليهِ وطلبَ منه أن يأتي ليملأ الفراغ ويؤدي دورَه حرفَ (امتناع).. (امتنع) لام الألِف عن (الامتناع) واشترط أن تُنفَّذ رغبته ويُردَّ اعتباره مقابل أن يقوم بعمله.

رفضت الحروفُ سياسةَ لَيِّ الذراع. فكَّر حرفُ اللامِ أن يجتمع بالألِف ويملآ الفراغَ. غير أنه إن فعل ستكون الحروف بذلك مُعترفةً بأهمية لامِ الألِف في النصِّ!
شَعُرَ لامُ الألِف بنشوة. لقد ثَمِلَ بخمر النصر. تخيَّلَ نفسه (عنترة) وهو يمتنع عن الْكَرِّ. فكَّر في أنَّ الحروف لن تُطيل العِناد. انتظر أن تفتح أفواهها لتقول: “تعال، املأ الفراغ، ولتكن حرفًا حقيقيًّا مثلنا..”

فتحت الحروف أفواهها…

لتتثاءب. ثم انشغلت ثلاثةُ حروف منها بالتشكل على التوالي (النون، العين، والميم). تشكلت وملأت الفراغ دون الحاجة إلى لامِ الألِف الذي قررَ في نفسه أنَّه بمجردِ انتهاء دهشته سيحزِم حقائبه ويرحل من النصوص الهجائية. تاركًا وظيفته للهجين الجديد.

…………………..
حسام الدين الثني.
بنغازي. ليبيا.. 7. يوليو. 2010

السابق
الإِبْرِيق النحَاسى
التالي
غرور

تعليقان

أضف تعليقا ←

  1. حسام الدين الثني حسام الدين الثني قال:

    هي لام الألف حينما يضيق بها المكان. يتسع للهجين الآخر وإن كان مسخا… شكرا أستاذ يحيى أوهيبة. تسعدني قراءتك.

اترك تعليقاً