القصة القصيرة

لا أريد أن أحلم بالعودة للطفولة

كنتُ جالسة كالعادة أتفحص مكنونات ذاتي وما تحويه من هموم هذا الوطن الضاربة جذوره في أعماقي..ولأنّي أنثى ساديّة ، كنت أختار الجلوس دوما بمفردي كي لا تتبعثر حروفي وتغرق في ثنايا ضجيج مدينتي الصغيرة.
وبين زخم نظراتي المبعثرة وارتجاف قلمي بين أصابعي حين قررتُ أن أخطّ ألقًا آخر، علّني أطوّر من موهبتي لألحق بركب الكتّاب المغمورين من ذوي الإبداعات الخاصّة..سمعتُ خبرا غير عادي ـ لم تألفه يومياتي ككاتبة تحلم بغد تنال فيه جائزة نوبل للآداب ـ …كان مخالفًا تماما للفطرة السليمة التي وهبنا الله إيّاها وهو ..سرقة الفرحة من أفواه غضّة ، تطمحُ لشرب كوب حليب ساخن مع حبات بسكويت مخضبة بالشكلاطة ..خبر جعل قلمي يفزع ويفرُّ من أناملي عنوة ،لقد جف حبره لأجلٍ غير مسمّى ….اختفى كلّ الأطفال من وطني فأضحت الشوارع خاوية على عروشها لا تسمع فيها إلا أصوات الفزع والخوف والجفاء..هُجّروا كُرهــًا إلى المقابر بدون وجه حقّ..ويا ليتها كانت هجرة مدفوعة الأجر إلى مدن الألعاب وجنان الترفيه حيث يستمتعون بيومهم ليكون ذخرا لغدهم لكنهم ذهبوا إلى بيوت العفاريت والمردة وعُبّاد الشياطين.
تمالكتُ نفسي لحظتها ..ورُحتُ أسوق الخطى ، لأقف أمام جهاز التلفزيون حتى أرفع من ذبذبات الألم النابعة منه ..و أصلي أذنيّا بطنينه.
كان الأطفال يُساقون كل ثلاثة أيّام لمصير مجهول من طرف أشخاص امتهنوا الرذيلة والفساد.. فذاك عربيد سكير والآخر مجهول الأبوين ..وأخرى مصابة بمس ولا فائدة من شفائها مادام الجنّ يسكنها وهلمّ جّرا….كلّهم اتفقوا على ألاّ تنموا البراعم وراحوا يسقونها بسموم أبادت الجذور قبل البراعم.
لحظتها قررتُ أن أقص شريط ذكرياتي ابتداء من مرحلة الطفولة لتختفي أيام فرحي وحبوري حتى لا أعود لها مرة أخرى ..فلعلّ القتلة سينتقلون لذاكرتي ويعيثون فيها فسادا ..بل سيهشمون جزءا ثمينا من تاريخ حياتي ..إنّها الطفولة حينما كانت السماء زرقاء تشعّ بطيور الصفاء ..لا وجود للخوف والترصُد.
كنّا نلعبُ في كلّ مكان ..وفي أي وقت ..لا يُثقلُ كاهلنا سوى سواد الليل الذي يأمرُنا بالنوم حتّى نستعدّ ليوم آخر .
أيّام كان فيها الشيوخ من الرجال ، يمنحوننا أعمارهم وآمالهم محلاة في بضع حبات حلوى بلا خوف صادر منّا أو تردد..لم تُحذرنا أمهاتنا..لم تجمُد الدماء في عروقهنّ ..لسبب واحد ، أنّ الوطن كان ضاحكًا للكلّ بلا استثناء ..حيث كان الأمن سيّد الأوقات وراعيها .
لا أريد ان أموت في ذاكرتي حيث أعود للطفولة .فربّما تتبعني أحدهم مندسّــا في خضم توارد أفكار الماضي مع الحاضر .
بسبب ألم هذا الخبر القاسي كان واجبا عليّ أن أفكر في حلّ مؤقت ..للحيلولة دون تتسلّل الكآبة إليّ، فقلت ماذا لو انزويت كل ليلة في غرفتي ، حين ينام كلّ البشر في عتمة الظلام ، فأكون في حرية وأمان ..حينها سأهمس لذاكرتي بأن تعود لي بعض الوقت حتّى أتجوّل فيها لآخر مرة فأرتاح من أخبار هذا الزمن الهمجي .وبعدها أمنحها وعد شرف أنّي لا أقربها حتى يُعدم قتلة الطفولة في وطني…

السابق
إنفصام ..
التالي
بين ألم ذكرى ومشقة سفر

اترك تعليقاً