القصة القصيرة

لعل وعسى

..مسحتُ العرق الممزوج بذرات التراب عن جبيني، وضعت المعول إلى جانب الفأس، وخرجتُ من الحفرة التي بدتْ أعمق من المطلوب ببعض الصعوبة. لكن الآلة اللعينة كانت ماتزال تصدر صوت إستشعارها كلما شغلتها، الأمر الذي يشير إلى الإستمرار في الحفر أعمق من المستوى الذي توقفتُ عنده.! جلست قرب بقايا سور وسط خربة كانت، ذات زمن بعيد، دارا عامرة بالناس والحياة، ومددت سطرا من النفحة فوق إبهامي، ودون أن أزيح عيني عن الحفرة، بعد نظرة خاطفة إلى الشمس التي كانت تهبط منحدر المساء صوب نقطة الغروب. لاأنكر أني كنت خائفا، بل مرعوبا، من توقع أنْ ينفلق التراب فجأة عن مالايمكن تخيل شكله، بل وكنت أهُمُّ أحيانا بالهرب، رغم أن لاشيء ظهر أمامي، ثم أعود لأهدأ روعي وأكبح الإحساس بالرعب الذي يشارف الإفلات من السيطرة، وأذكر نفسي بإختياري الواعي لهذا الدرب، كما إختار غيري ركوب الأمواج هربا من بلد يضيق على أهله، وعلي كهذا الغير أن أقامر بعمر للمقامرة، رغم أن إمكانية الغرق أعلى نسبة.! لهذا كنت أجدد العزم، كل مرة، وأواصل السباحة بين أمواج الخوف في بحر نفسي الهائج، وأواصل الحفر. بل وصرتُ أتمنى أن تنشق الحفرة، ويظهر الجني المحتمل مهما كانت الصورة التي ستجسده ممعنة في البشاعة، حتى ولو قذف بي إلى أبعد نقطة على الأرض. لأن ظهوره سيعلن إختفاء الشك المتقد بتصاعدٍ من نفسي تماما، وسيؤكد، بمالايدع مجالا لسوسة الشك، أن الكنز موجود، وأن الآلة العجيبة صادقة هذه المرة، وليس كما في المرتين السابقتين حيث ذهب الجهد الذي كابدته في الحفر، الحفر المضاعف: في التراب، وفي النفس التي كانت تكشف عن طبقات أعمق للخوف، ذهب سدى، إذ عثرت في المرة الأولى على رصاصة قديمة وفي الثانية على حذوة حصان صدئة.! وإلا ماذا سأقول لزوجتي، بعد أن أعطتني دملجها الوحيد كي أبيعه وأضيف ثمنه إلى المبلغ الذي جمعته بشتى الطرق وضحيت لأجله بكل ماأملك من أشياء صالحة للبيع كي أشتري تلك الآلة العجيبة، لما أسلتُ لعاب طمعها وراء كنوز لايساوي دملجها إزاءها سوى قيمة خردة حديد، ووعدتها بعنقود من الدمالج عوضا عنه. ؟وكذلك ماذا سأقول لنفسي وأنا أقع على حقيقتي الصادمة: أني إنسان طماع غفل ساذج أبله باع كل ماملَك، وهو قليل، لأجل آلة لاتكشف سوى عن قطع الحديد الصدئة الغير الصالحة لشيء. وحينها ستدوي في دماغي، الذي يكاد ينفجر، وإلى الأبد، قهقهة المهرب الذي باعني تلك الآلة، بعد تمنع طويل إستهله بسخرية فجة من أحمق يحلم بكنوز لم يحلم بمثلها أجداده الفقراء الأمر الذي أفهمني أن القاعدة هي عودة الكنوز إلى أحفاد الذين جمعوها وماعداه شذوذ، لهذا قبلتُ السعر الباهض الذي إشترطه مع الرغبة فوق ذلك في تقبيل حذاءه لو سمح، المهم أن أملك تلك الآلة العجيبة لأحلق بعيدا عن مستنقع الفقر والمذلة الذي توارثناه أبا عن جد. وتلك القهقهة كانت ستكون بلا أدنى شك إنطلاقة ناقوس الجنون الذي لن تحمد عقباه.! لذلك كله كنت أتمنى أن تنشق الحفرة عن الجني الذي يقال أنه في الغالب مالك الكنز المطمور في التراب، ويظهر لنظري، كبشيرِ كنزٍ، رغم كل الرعب الذي يصاحبه كما يصاحب الدخان النار. وهذا أهون علي من تحمل حقيقة أن تلك الآلة العجيبة لاتكشف عن الكنوز، بل عن كوني إنسان طماع غفل ساذج أبله دفع كل ماملك مقابل خرذة تكشف عن الصدأ.! لقد كان الشك المتعاظم في نفسي بنزينا على نار الخوف المستعرة يزيدها إضطراما. وكان الحال يشارف الحد الذي يصبح عنده غير مطاق. لهذا لم أستطع الإستراحة أكثر من الوقت الكافي لإستنشاق سطر النفحة من فوق الإبهام، ونهضت مستعجلا وفي نيتي توسيع الحفرة أكثر حتى يتسنى لي الحفر أعمق، وقبل أن يرغمني الغروب على التوقف، مادامت تلك الآلة اللعينة تصدر صوتها وتشير إلى مزيد من الحفر، لعل وعسى..!

السابق
مكياج
التالي
مكتوب

اترك تعليقاً